سبتمبر 1, 2026
8

رياض سعد

ثمة مشهد عراقي يتكرر حتى فقد الناس قدرتهم على الدهشة:

شفلّ  اصفر  يتقدم نحو بيتٍ فقير.

رجال يحاولون إيقافه .

نساء يصرخن.

أطفال يبكون.

أمٌّ تحاول أن تنقذ بعض أثاث بيتها.

وأبٌ يقف أمام الجرافة عاجزًا، لا يعرف كيف يشرح لأطفاله أن البيت الذي بناه بعد سنوات من الشقاء سيصبح بعد دقائق كومةً من الأنقاض.

ثم يبدأ الهدم.

يسقط الجدار.

يسقط السقف.

وتسقط معه أشياء كثيرة لا تظهر في محاضر البلدية ولا في تقارير اللجان: الأمان، والذاكرة، والكرامة، وشعور الإنسان بأن له مكانًا في هذا الوطن.

هكذا تبدأ حكاية «إزالة التجاوز».

لكن السؤال الذي لا تريد الحكومات أن تسمعه هو: لماذا انتظرت الدولة حتى يبني الفقير بيتًا لكي تكتشف أنه متجاوز؟!

ولماذا لم تكتشف التجاوز يوم كانت الأرض تُباع؟

ولماذا لم تكتشفه حين كان السماسرة يجوبون المناطق ويبيعون القطع للمواطنين؟

ولماذا لم تكتشفه حين بدأت البيوت تتكاثر؟

ولماذا لم تكتشفه حين وصلت الكهرباء والماء والخدمات إلى بعض تلك المناطق؟

ولماذا لا يظهر القانون بكامل قوته إلا عندما يصبح صاحب البيت فقيرًا لا يملك من أمره شيئًا؟

# الحكومات  التي  تتذكر الفقير عندما تريد هدم بيته ؟!

منذ عقود طويلة، والعراق يعيش أزمة سكن لا تحتاج إلى لجان تحقيق لكي تثبت وجودها.

أجيال كاملة كبرت وهي تبحث عن بيت.

والشباب يتزوجون وهم يسكنون بالإيجار.

والعائلات تتوسع، فيما المدن تضيق.

والأرض تتحول إلى سلعة، والسكن إلى حلم، والبيت إلى مشروع يستنزف عمر الإنسان كله.

وفي ظل غياب سياسة إسكان وطنية مستقرة، وجد المواطن نفسه مضطرًا إلى البحث عن أي مساحة يستطيع أن يبني فوقها سقفًا يحمي أبناءه.

وهنا نشأت العشوائيات والتجاوزات.

لم يولد التجاوز من فراغ.

ولم يستيقظ الفقير صباحًا ليقرر أنه يريد مخالفة الدولة.

في كثير من الحالات، كان التجاوز نتيجة سلسلة طويلة من العجز: عجز الدولة عن توفير الأرض، وعجز المواطن عن شراء الأرض، وعجز السوق عن توفير السكن، وعجز المؤسسات عن التخطيط للمدن.

ثم تأتي الدولة في النهاية لتختصر كل هذه المأساة بكلمة واحدة: متجاوز !!

يا لها من كلمة مريحة وقبيحة !

تلغي التاريخ كله.

تلغي الفقر.

تلغي الفساد.

تلغي السياسات الطائفية والعنصرية السابقة .

تلغي غياب التخطيط.

تلغي المتاجرة بالأراضي.

تلغي مسؤولية الجهات التي سمحت للمشكلة أن تكبر.

وتضع المواطن وحده في قفص الاتهام.

# من سمح لهم بالبناء؟

هذا السؤال هو أصل الحكاية.

إذا كان المواطن قد بنى بيتًا مخالفًا، فمن باع له الأرض؟

ومن قبض المال؟

ومن وعده بأن وضعه سيُسوّى؟

ومن أوصل إليه الخدمات؟

ومن تركه يعيش سنوات، وربما عقودًا، دون أن يحرك ساكنًا؟

ثم من الذي يقرر فجأة أن الوقت قد حان للهدم؟

ولماذا يكون المواطن هو الحلقة الأضعف دائمًا؟

إن كانت هناك جريمة في بيع أراضٍ عامة أو زراعية بصورة غير قانونية، فلماذا يُلاحق المشتري وحده ولا يُلاحق البائع؟

وإن كان المواطن قد خُدع، فلماذا يُعاقَب وحده؟

وإن كانت الدولة قد عجزت عن توفير السكن، فلماذا يُطلب من الفقير أن يدفع ثمن عجزها؟

هذه ليست أسئلة عاطفية.

هذه أسئلة دولة.

# مئة عام من إدارة المشكلة بدل حلها

العراق الحديث لم يعجز عن بناء مدن فقط؛ بل عجز مرارًا عن بناء سياسة سكن عادلة ومستقرة .

تعاقبت الحكومات.

تغيرت الأنظمة.

تبدلت الشعارات.

جاءت الملكية، ثم الجمهورية، ثم الانقلابات، ثم الحروب، ثم الاحتلال، ثم النظام السياسي الجديد.

لكن المواطن الفقير بقي في المكان نفسه تقريبًا:

يبحث عن أرض.

يبحث عن بيت.

يبحث عن شقة .

يبحث عن خدمة.

يبحث عن فرصة.

ثم يجد نفسه في النهاية أمام شفل اصفر .

ولهذا لا ينبغي أن ننظر إلى حملات الهدم بوصفها مجرد إجراءات إدارية.

إنها، في كثير من الأحيان، لحظة انفجار لعلاقة مختلة بين الدولة والمواطن.

الدولة تقول: أنت متجاوز.

والمواطن يقول: وأين كنتم عندما كنت أبني؟

الدولة تقول: هذه أرض عامة.

والمواطن يقول: ومن باعني إياها؟

الدولة تقول: هذا البناء مخالف.

والمواطن يقول: وأين البديل؟

وهنا تصمت الدولة.

# القانون ليس جرافة

نعم، للدولة الحق في حماية أراضيها.

ونعم، لا يمكن أن تُدار المدن بالفوضى.

ونعم، لا يمكن تحويل التجاوز إلى حق مكتسب لمجرد مرور الزمن.

لكن الدولة التي تحترم القانون لا تطبق القانون بطريقة عمياء.

القانون ليس جرافة.

القانون ليس آلة هدم.

القانون قبل أن يكون عقوبة هو نظام لحماية المجتمع وتحقيق العدالة .

لذلك، فإن إزالة التجاوزات ينبغي أن تكون جزءًا من مشروع متكامل:

تخطيط، وتنظيم، وتقنين، وتعويض، وسكن بديل، ومحاسبة للمتسببين، ثم إزالة ما يتعذر إبقاؤه.

أما أن تبدأ الدولة من النهاية، فتأتي بالجرافة قبل أن تأتي بالحل، فهذه ليست معالجة للمشكلة.

هذه مجرد محاولة لإخفاء آثارها تحت الركام.

# الجرافة لا تهدم البيت وحده

هل تعرف الدولة ماذا يعني أن يُهدم بيت؟

يعني أن طفلًا سيعود إلى مكان لم يعد موجودًا.

يعني أن أمًّا ستبحث عن غرفة تأوي أبناءها.

يعني أن رجلًا قد يخسر حصيلة عشرين سنة من العمل في دقائق.

يعني أن عائلة ستنتقل من بيت متواضع إلى الشارع أو إلى بيت قريب أو إلى مأوى مؤقت.

يعني أن المدرسة قد تصبح بعيدة.

وأن العمل قد يصبح بعيدًا.

وأن الحياة التي رتبت نفسها حول ذلك البيت ستنهار معه.

الجرافة لا تهدم الطابوق وحده.

الجرافة تهدم شبكة حياة كاملة.

ولهذا فإن المشهد الذي ينبغي أن يقلقنا ليس سقوط الجدار، بل ما يحدث بعد سقوطه.

أين تذهب العائلة؟

أين يذهب الأطفال؟

من يدفع الإيجار؟

من يعوض صاحب البيت؟

ومن يتحمل مسؤولية السنوات التي أنفقها في بناء مكان ظنه وطنًا صغيرًا؟

# المفارقة العراقية الكبرى

المفارقة أن الدولة تكون غائبة عندما يحتاجها المواطن، وحاضرة بقوة عندما تريد معاقبته.

تغيب حين يبحث عن قطعة أرض.

تغيب حين يحتاج إلى قرض.

تغيب حين يشتري أرضًا من سمسار.

تغيب حين يُخدع بوعد التسوية القانونية .

تغيب حين يعيش في منطقة بلا صرف صحي.

ثم تظهر فجأة:

آليات، وشرطة، وأوامر إزالة، ولجان، ومحاضر، وشفلات صفراء .

يا لهذه الدولة!

كم هي قوية عندما يتعلق الأمر بهدم بيت الفقير!

وكم هي ضعيفة عندما يتعلق الأمر بمنع الفساد الذي أنتج ذلك البيت!

# لا تحارب الفقير… حارب أسباب الفقر

الحل ليس في ترك العشوائيات تتوسع.

والحل أيضًا ليس في تحويل العراق إلى بلد من الركام.

الحل في أن تتوقف الدولة عن معالجة نتائج المشكلة وأن تبدأ بمعالجة أسبابها.

أن تكشف ملف الأراضي.

أن تلاحق من باع الأراضي العامة بصورة غير قانونية.

أن تحاسب من استغل حاجة الناس.

أن تضع سياسة إسكان وطنية.

أن تمنح الفقراء وأصحاب الدخل المحدود خيارات سكن حقيقية.

أن تنظّم ما يمكن تنظيمه.

وأن تهدم ما يستحيل تنظيمه ؛ بعد توفير البديل الإنساني والقانوني .

فليس من العدل أن تقول للمواطن العراقي : اخرج من بيتك لأنك متجاوز.

ثم تتركه في العراء.

بل على الدولة أن تقول: هذا البناء مخالف، لكننا لن نقتلعك من مكانك قبل أن نوفر لك مكانًا يحفظ كرامتك وكرامة أطفالك.

تلك هي الدولة.

أما أن تأتي الدولة بالشفلات الصفراء، ثم لا تسأل المواطن أين سيذهب، فهذه ليست دولة قانون.

هذه دولة  قمعية وصلت متأخرة.

وصلت بعد أن انتهى كل شيء.

بعد أن بنى المواطن.

بعد أن دفع.

بعد أن شقى.

بعد أن ربّى أبناءه.

بعد أن صنع من الطابوق وطنًا صغيرًا.

ثم جاءت الدولة لتقول له: آسفون… اكتشفنا الآن أنك كنت متجاوزًا…!!

وهنا، لا يعود السؤال: لماذا هُدم البيت؟

بل يصبح السؤال الأخطر: لماذا لم تبنِ الدولة بيتًا للمواطن قبل أن تهدم بيته؟

فالدولة التي لا تعرف كيف تسكن أبناءها، ثم تعرف كيف تهدم مساكنهم، ليست أمام مشكلة تجاوزات فقط.

إنها أمام أزمة في مفهوم الدولة والمواطنة نفسها .

لأن وظيفة الدولة ليست أن تكون أقوى من المواطن.

وظيفتها أن تكون أقوى من الفقر، والفساد، والفوضى، والظلم، وسوء التخطيط .

أما حين يصبح المواطن هو الحلقة الأسهل التي يمكن سحقها تحت عجلات الشفلّات الصفراء، فإننا لا نكون قد أزلنا تجاوزًا.

نكون قد أزلنا بيتًا… وتركنا المشكلة قائمة