
سعد جاسم الكعبي
كاتب عراقي
هذه الظاهرة التي نراها اليوم في العراق ليست جديدة، لكنها أصبحت فاضحة بعد حرب اليمن. فئة تدعي أنها تحب العراق وتدافع عن سيادته، لكن بوصلتها دائما تتجه نحو كره كل ما هو شيعي، حتى لو كان خارج العراق بآلاف الكيلومترات.
حجة “الفارسي” .. الكذبة الكبرى، فعندما يتعلق الأمر بأنص_ار الله في اليمن، يتحول الخطاب فجأة إلى خطاب قومي عربي متطرف: “الحوثي فارسي، مجوسي، ذيل إيران”.
لكن نسأل هؤلاء: اليمني الحوثي عربي قح، من صعدة، من قبائل همدان ومذحج، يتكلم العربية بلهجة يمنية أصيلة، تاريخه في اليمن أكثر من ألف سنة. كيف أصبح فارسيا بين ليلة وضحاها؟
بالمقابل، لماذا الشيشاني الذي لا يعرف كلمة عربية واحدة أصبح “مجاهدا شقيقا” عندما جاء ليقاتل في سوريا والعراق؟ ولماذا الإيغوري القادم من حدود الصين أصبح “مهاجرا لنصرة الدين”؟ ولماذا السعودي والإماراتي الذي يقصف اليمن منذ 10 سنوات هو “الشقيق”؟
المعيار ليس العروبة ولا الفارسية. المعيار هو المذهب.كل من يقاتل الشيعة يصبح شقيقا وعربيا ومجاهدا، حتى لو كان أعجميا. وكل شيعي يصبح فارسيا ومجوسيا حتى لو كان عربي الأصل واللسان والدم.
لو كانت المشكلة فعلا مع إيران وتدخلها، لماذا لا نسمع نفس الصراخ ضد التدخل التركي في شمال العراق، وضد القواعد الأمريكية، وضد التغل الخليجي الذي يشتري الذمم والإعلام؟ لأن الهدف ليس إيران كدولة، الهدف هو التشيع كوجود.
ما شأن العراقي باليمن؟ ولماذا هذه الحماسة السعودية؟
السوال ما لنا ومال اليمن؟
الشعب اليمني شعب عربي مسلم مظلوم، يتعرض لحصار وقصف منذ 2015، قُتل منه مئات الآلاف، وانتشرت فيه المجاعة والكوليرا. المفروض كعراقي ذقت الحصار والحرب أن تتعاطف معه.
لكن ما يحدث هو العكس: يتم تجييش الناس ضد أنصار الله، وتسمية حكومة الفنادق في الرياض بـ “الشرعية”، وتسمية المرتزقة الذين يقاتلون مع التحالف السعودي – السوداني والكولومبي واليمني المأجور – بـ “الجيش الوطني”.
أليس هذا هو نفس منطق تسمية داعش في العراق بـ “الثوار” عام 2014؟ نفس المنظمات ونفس القنوات التي كانت تبرر لداعش بحجة ظلم الحكومة الشيعية في بغداد، هي اليوم تبرر للمرتزقة في اليمن بحجة ظلم الحوثي.
السعودي شقيق، الإماراتي شقيق، الانفصالي الجنوبي الذي يريد تقسيم اليمن شقيق، القاعدة في مأرب شقيقة، لكن اليمني الزيدي الشيعي الذي يدافع عن صنعاء هو مجوسي يجب قتله. أي عروبة هذه؟
ازدواجية المعايير داخل العراق .. نفس العقلية، هذه هي النقطة الأخطر التي أشرت إليها، وهي لب المقال.
عندما تحصل حادثة بسيطة في مدينة شيعية في الجنوب أو الوسط – مشاجرة عشائرية، فساد موظف، انقطاع كهرباء – تتحول إلى قضية رأي عام، وتفتح المنابر والفضائيات والقنوات الممولة خليجيا حملات لأسابيع: “انظروا إلى فشل حكم الشيعة، انظروا إلى همجية الجنوب”.
بالمقابل، آلاف الجرائم والكوارث تمر مرور الكرام لأن الفاعل ليس شيعيا:
تجريف الأراضي والاستيلاء على النفط وتهريب الآثار في كردستان، وفرض الإتاوات، وقمع المتظاهرين في السليمانية، يمر كأنه أمر طبيعي.
في الغربية، عودة الفكر التكفيري، وخطاب التطبيع العلني، وتهريب المخدرات، والفساد بمليارات الدولارات، لا أحد يتكلم.
المنظمات “الوطنية” و”الحقوقية” التي تصرخ ليل نهار عن “الميليشيات” تسكت سكوت القبور عندما يتعلق الأمر بمعسكرات تدرب فيها المخابرات التركية أو الخليجية.
لماذا؟ لأن الهدف ليس الفساد ولا السيادة. الهدف هو نزع الشرعية عن المكون الشيعي وحده. يريدون إقناع العراقي الشيعي أنه فاشل، تابع، مجوسي، لا يصلح للحكم، حتى يكره نفسه ويتمنى عودة حكم الأقلية.
يُقال للشيعي العراقي: أنت تابع لإيران. وفي نفس الوقت يُطلب منه أن يكون تابعا للسعودية وقطر وتركيا وأمريكا، وهذا يسمى “انفتاحا” و”اعتدالا”. تبعية مرفوضة وتبعية مرحب بها، حسب مذهب المتبوع.
إنها ليست سياسة، إنها بغضاء طائفية
القضية ليست اليمن ولا سوريا ولا إيران.
القضية أن هناك مشروعا قديما جديدا لا يستطيع أن يتعايش مع وجود شيعي قوي يحكم نفسه بنفسه في بغداد أو صنعاء أو بيروت.
لذلك يخترعون الأسماء: صفوي، مجوسي، فارسي، ذيول. وهي نفس الأسماء التي كان يطلقها صدام على شيعة العراق عندما كان يقتلهم في المقابر الجماعية.
من يحب العراق فعلا، يحب كل العراقيين، ويحزن لكل الدم العراقي واليمني. ومن يكره الشيعة فقط، فليقلها بصراحة ولا يتخفى خلف قناع الوطنية والعروبة، لأن الناس فهمت اللعبة.
العراق لا يُبنى بكراهية مكونه الأكبر، واليمن لن يعود سعوديا مهما دفعوا من أموال. والمنافق الذي يصفق لقصف صنعاء ويبكي على قصف غزة، ستنكشف عورته ولو بعد حين.





