سبتمبر 12, 2026
1-4

إيهاب مقبل

في عددها الصادر اليوم السبت 12 سبتمبر أيلول 2026، تطرح صحيفة «إسرائيل هيوم» قراءة لافتة للتطورات في اليمن، تركز فيها على تداعيات تمدد حركة أنصار الله الحوثية جنوبًا، وعلى الدور السعودي في المشهد اليمني، ولا سيما في مناطق الجنوب التي تنظر إليها الصحيفة باعتبارها عنصرًا أساسيًا في معادلة مواجهة الحركة وحماية الممرات البحرية في البحر الأحمر.

وتستند الصحيفة في روايتها إلى مصدر يمني، يقول إن «السياسة السعودية تجاه الجنوب أفضت إلى إضعاف القوى المناهضة للحوثيين، وخلقت، بحسب تعبيره، فراغًا سياسيًا وعسكريًا كبيرًا»، الأمر الذي أتاح للحركة توسيع نفوذهم والاقتراب من مناطق أكثر حساسية من الناحية الجغرافية والاستراتيجية.

وتضع «إسرائيل هيوم» المسؤولية بصورة مباشرة على عاتق الرياض، إذ تنقل عن المصدر اليمني قوله إن «السياسة السعودية مهّدت الطريق للحوثيين»، معتبرًا أن الإجراءات السعودية ساهمت في تقليص نفوذ القوى الجنوبية التي كانت تؤدي دورًا في مواجهة الحوثيين والتنظيمات المسلحة الأخرى.

السعودية في مرمى الانتقاد
اللافت في رواية «إسرائيل هيوم» أن الانتقاد لا يتركز فقط على حركة أنصار الله، وإنما يمتد بصورة واضحة إلى السياسة السعودية في جنوب اليمن. وتنقل الصحيفة عن المصدر اليمني قوله إن الرياض، «بدلًا من البناء على إنجازات الإمارات والقوات الجنوبية في مكافحة الإرهاب، عملت على تقليص نفوذهم».

وبحسب الرواية التي تطرحها «إسرائيل هيوم»، فإن إضعاف القوات اليمنية المدعومة إماراتيًا لم يعزز موقع الحكومة اليمنية المدعومة سعوديًا، ولم يسهم في إغلاق الطريق أمام حركة أنصار الله المدعومة من إيران، بل أدى، وفق المصدر الذي تستند إليه الصحيفة، إلى خلق فراغ سياسي وعسكري استفادت منه الجماعة لتوسيع هامش تحركها وتمددها.

وهنا تظهر إحدى الرسائل الأساسية للمادة، فالمشكلة، وفق التصور الذي تنقله «إسرائيل هيوم»، ليست في قوة حركة أنصار الله وحدها، وإنما في الفراغ الذي يمكن أن ينشأ عندما يتم إضعاف القوى المحلية المناوئة لهم.

المجلس الانتقالي والقوات الجنوبية.. من خصم سياسي إلى قوة لا غنى عنها؟
في هذا السياق، تمنح الصحيفة الإسرائيلية مساحة واضحة للمجلس الانتقالي الجنوبي والقوات الجنوبية، وتقدمها باعتبارها طرفًا عسكريًا وسياسيًا لا يمكن تجاهله في أي استراتيجية تهدف إلى مواجهة حركة أنصار الله.

وتنقل «إسرائيل هيوم» عن المصدر اليمني وصفه لعدد من القضايا المتعلقة بمستقبل الجنوب بأنها «خط أحمر»، في إشارة إلى حساسية التعامل مع القوى الجنوبية وترتيبات السيطرة والنفوذ في المناطق الجنوبية.

وتكشف هذه الصياغة عن زاوية مهمة في التقرير الإسرائيلي؛ إذ لا يجري فقط تقديم المجلس الانتقالي الجنوبي والقوى العسكرية الجنوبية المرتبطة به والمدعومة إماراتيًا باعتبارها أطرافًا تحمل مشروعًا سياسيًا خاصًا، وإنما بوصفها، في نظر المصدر الذي تستند إليه الصحيفة، قوة ميدانية يمكن أن يكون لإضعافها انعكاسات مباشرة على قدرة حركة أنصار الله على التوسع.

ومن هذه الزاوية، تتحول قضية الجنوب من ملف يمني داخلي إلى جزء من معادلة أوسع ترتبط بالأمن الإسرائيلي والإقليمي والملاحة الدولية.

من جنوب اليمن إلى باب المندب
أكثر ما يرفع من أهمية الرواية التي تقدمها «إسرائيل هيوم» هو انتقالها من الحديث عن الجنوب اليمني إلى باب المندب.

فالصحيفة تنقل عن المصدر اليمني قوله إن «باب المندب ليس مجرد مضيق بحري، بل هو بوابة الجنوب إلى العالم وأهم موقع جغرافي».

وتكتسب هذه العبارة أهمية خاصة بالنظر إلى أن باب المندب يمثل نقطة اتصال استراتيجية بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، ويكتسب أهمية مباشرة لما يسمى «إسرائيل» باعتباره أحد الممرات البحرية التي ترتبط بأمن الملاحة والتجارة الإسرائيلية، ما يجعل أي تغير في موازين القوى بالقرب منه يتجاوز حدود الصراع اليمني الداخلي.

وفي هذا الإطار، فإن تقديم تمدد حركة أنصار الله باعتباره تهديدًا محتملًا لباب المندب يغيّر طبيعة القضية في السردية التي تعتمدها الصحيفة: من نزاع على السلطة والنفوذ داخل اليمن، إلى مسألة مرتبطة بأمن الملاحة في البحر الأحمر ومصالح إسرائيلية وإقليمية ودولية أوسع.

أنصار الله كتهديد يتجاوز اليمن
لا تتعامل «إسرائيل هيوم» مع حركة أنصار الله في المادة باعتبارهم طرفًا يمنيًا محليًا فحسب، بل تضع تحركاتهم ضمن سياق أمني إقليمي أوسع.

ويقول المصدر اليمني الذي تنقل عنه الصحيفة إن «الفراغ الذي خلّفه إخراج الإماراتيين لم يُملأ، بل فتح الباب أمام الحوثيين والتنظيمات المتطرفة»، معتبرًا أن استمرار هذا الفراغ يمكن أن يمنح الجماعة مجالًا أوسع للحركة.

وتنقل الصحيفة كذلك خلاصة شديدة الوضوح عن المصدر نفسه: «كلما دُفعت القوى الفاعلة في الجنوب إلى الهامش، اتسع الفراغ. وكلما اتسع الفراغ، وجد الحوثيون والتنظيمات المتطرفة مساحة للتحرك والتمدد على نطاق أوسع».

وهذه الصياغة تضع العلاقة بين إضعاف القوى الجنوبية وتمدد أنصار الله في إطار سببي واضح، وإن كانت هذه العلاقة تظل، في التقرير، جزءًا من رواية المصدر اليمني الذي اختارت الصحيفة الاعتماد عليه.

الإمارات حاضرة في خلفية الرواية
ولا تغيب الإمارات عن هذه القراءة، إذ تُظهر المادة تباينًا ضمنيًا بين المقاربة الإماراتية والسعودية في التعامل مع القوى الجنوبية.

فالصحيفة، عبر المصدر الذي تنقل عنه، تقدم الدور الإماراتي السابق في الجنوب باعتباره مرتبطًا بدعم القوات المحلية في «مواجهة الإرهاب والحوثيين»، بينما يُصوَّر تقليص هذا الدور لاحقًا باعتباره عاملًا أسهم في ترك فراغ أمني وعسكري.

ومن خلال هذه المقارنة، تبدو الرسالة السياسية للمادة أكثر وضوحًا: أي استراتيجية إقليمية لمواجهة الحوثيين، بحسب الرواية التي تقدمها «إسرائيل هيوم»، لا يمكن أن تتجاهل القوى الجنوبية أو تتعامل معها باعتبارها مجرد طرف سياسي منافس.

«كلما اتسع الفراغ.. توسع الحوثيون»
العبارة التي تنقلها «إسرائيل هيوم» عن المصدر اليمني بشأن اتساع الفراغ تحمل أهمية خاصة في فهم البناء السياسي للمادة.

فالمصدر يقول إن «كلما دُفعت القوى الفاعلة في الجنوب إلى الهامش، اتسع الفراغ»، وإن هذا الفراغ يمنح الحوثيين والتنظيمات المسلحة مساحة أكبر للتحرك.

وبذلك، لا تقدم الصحيفة تمدد الحوثيين باعتباره نتيجة لقدرات الجماعة العسكرية وحدها، وإنما تربطه أيضًا بالتحولات التي طرأت على خريطة القوى المناهضة لهم.

وهذا الطرح يخدم في الوقت نفسه رسالة موجهة إلى السعودية، مفادها أن الضغط على القوى الجنوبية قد يؤدي، بدلًا من إضعاف الحوثيين، إلى تعزيز الظروف التي تسمح لهم بالتقدم.

الرسالة إلى الرياض
تصل المادة إلى ذروة رسالتها السياسية عندما تنقل «إسرائيل هيوم» عن المصدر اليمني قوله: «إذا كانت الرياض تريد فعلًا مواجهة الحوثيين وحماية الأمن الإقليمي، كان عليها أن تدرك أن إضعاف القوات الجنوبية والمجلس الانتقالي الجنوبي لن يضعف الحوثيين، بل سيمهّد الطريق أمامهم للتقدم جنوبًا وإلى باب المندب».

وهذه العبارة تكشف بوضوح عن جوهر الانتقاد الموجه إلى السعودية في التقرير.

فالصحيفة لا تكتفي بالقول إن السياسة السعودية أخفقت في احتواء حركة أنصار الله، بل تنقل عن مصدرها تصورًا أكثر حدة، مفاده أن بعض السياسات السعودية نفسها ساهمت في توفير الظروف التي يمكن أن يستفيد منها الحوثيون.

تمهيد سردي لانخراط إسرائيلي محتمل
إدخال باب المندب بهذه القوة في المادة لا يبدو تفصيلًا جغرافيًا عابرًا، فالمضيق يمثل نقطة استراتيجية ذات أهمية مباشرة لأمن البحر الأحمر وحركة التجارة الدولية، كما يرتبط بأمن الملاحة والمصالح الإسرائيلية.

ومن هنا، يمكن قراءة اهتمام «إسرائيل هيوم» بالجنوب اليمني والبحر الأحمر باعتباره جزءًا من مقاربة أوسع للتهديد الذي تمثله حركة أنصار الله على الملاحة والمصالح الإسرائيلية والإقليمية.

ولا تقول المادة بصورة مباشرة إن تل أبيب تستعد لتدخل عسكري في اليمن، كما أنها لا تتضمن إعلانًا عن عملية إسرائيلية وشيكة. لكن التركيز على باب المندب وربط أمنه بتمدد أنصار الله يساهم في بناء سردية يمكن أن تجعل أي انخراط إسرائيلي مستقبلي في ملف أمن البحر الأحمر قابلًا للتقديم باعتباره استجابة لتهديد إقليمي، وليس مجرد توسع إسرائيلي في ساحة الصراع اليمني.

من صراع داخلي إلى قضية أمن إقليمي
تكمن أهمية المادة، في نهاية المطاف، في الطريقة التي تعيد بها صياغة المشهد اليمني.

فوفق الرواية التي تنقلها «إسرائيل هيوم»، لم يعد الصراع محصورًا في سؤال من يسيطر على صنعاء أو الجنوب، وإنما أصبح مرتبطًا بمستقبل باب المندب وأمن البحر الأحمر وحركة الملاحة الإقليمية والدولية.

وفي هذا السياق، يصبح المجلس الانتقالي والقوات الجنوبية، بحسب المصدر الذي تستند إليه الصحيفة الإسرائيلية، جزءًا من معادلة أوسع لمواجهة حركة أنصار الله، بينما تظهر السعودية بوصفها الطرف الإقليمي الذي يُوجَّه إليه التحذير من أن إضعاف هذه القوى قد يؤدي إلى نتائج عكسية.

أما بالنسبة إلى تل أبيب، فإن تحويل القضية من نزاع يمني داخلي إلى تهديد يمس أحد أهم الممرات البحرية في المنطقة يوسع هامش النقاش حول دورها المحتمل في مواجهة حركة أنصار الله.

وبالتالي، فإن قراءة مادة «إسرائيل هيوم» تُظهر أنها لا تكتفي بعرض تطورات جنوب اليمن، بل تضعها ضمن سردية أمنية أوسع: إضعاف القوى المناهضة لأنصار الله يخلق فراغًا، والفراغ يسمح للجماعة بالتمدد، والتمدد جنوبًا يقرب التهديد من باب المندب، وتحول باب المندب إلى ساحة تهديد للملاحة يمنح القضية بعدًا إسرائيليًا وإقليميًا ودوليًا يتجاوز حدود اليمن.

ومن هذه الزاوية تحديدًا، يمكن فهم الحديث عن «انخراط إسرائيلي محتمل» باعتباره استنتاجًا تحليليًا من طريقة بناء المادة وتركيزها على باب المندب، ولا سيما أن تحويل تهديد حركة أنصار الله إلى قضية مرتبطة بأمن أحد أهم الممرات البحرية في المنطقة يفتح المجال أمام طرح دور إسرائيلي أوسع في اليمن.

المصدر
في جنوب اليمن يتهمون: «السياسة السعودية مهّدت الطريق أمام الحوثيين»، إسرائيل هيوم، 12 سبتمبر أيلول 2026.
https://www.israelhayom.co.il/news/world-news/middle-east/article/21407951

انتهى