
عصا القوي وسلاسل الضعيف: حين يتحول القانون إلى أداة للهيمنة
على مر التاريخ، أُحيط مفهوم “القانون” بهالة من القدسية؛ صُوِّر على أنه الدرع الحامي للمظلومين، والميزان العادل الذي يستوي أمامه الملك والشاعر، والفقير والغني. لكن الاستقراء العميق لواقع المجتمعات الإنسانية—قديماً وحديثاً—يكشف عن حقيقة أكثر سوداوية وصدمة: إن القانون، في كثير من محطاته، لم يكن سوى نتاج لخارطة القوة، يصيغه الأقوياء لترسيخ نفوذهم، ويُفرَض على الضعفاء لضمان انصياعهم.
صياغة قواعد اللعبة
تاريخياً، كان الفيلسوف اليوناني “ثراسيماخوس” أول من صرح بهذه الحقيقة العارية حين قال: “العدالة ليست سوى مصلحة الأقوى”. لم يكن هذا الرأي مجرد شطحة فلسفية، بل توصيفاً دقيقاً لآلية بناء التشريعات. فالأقوياء—سواء تمثلوا في أباطرة القدامى، أو النخب الاقتصادية، أو القوى الاستعمارية—هم من يملكون أدوات السلطة ومنابر التشريع.
هؤلاء لا يكتبون النصوص القانونية بروح التجريد، بل يصوغونها بمقاس مصالحهم. فتُشرَّع القوانين التي تحمي الملكيات الهائلة، وتُفرض الضرائب المجهدة على الطبقات المسحوقة، وتُصنَّف مقاومة الظلم على أنها “خروج عن القانون”، بينما يُصنَّف استغلال الشعوب على أنه “حماية للمصالح الاستراتيجية”.
ازدواجية المعايير: تطبيقه على الضعيف
تبدو هذه المعادلة أكثر جلاءً في طريقة تطبيق التشريعات. فالقانون يتميز بمرونة شديدة وقدرة على التأويل عندما يتعلق الأمر بالأقوياء؛ إذ تحيط بهم جيوش من المحامين، ونافذة من العلاقات، واستثناءات لا حصر لها تضمن لجوءهم إلى “ثغرات النص”. أما بالنسبة للضعفاء، فالقانون يكتسي ملامح صلبة وقاسية لا ترحم.
على المستوى الداخلي للدول، قد يُسجن سارق رغيف خبز أو مبلغ زهيد لسنوات، بينما تتلاشى قضايا الفساد المالي بمليارات الدولارات خلف كواليس “التسويات” و”عدم كفاية الأدلة”. وعلى المستوى الدولي، يتجلى المشهد بأبهى صور الفجاجة؛ فالمنظمات الدولية والمواثيق العالمية تُمارِس صلاحياتها بمنتهى القسوة والصرامة على الدول النامية أو الضعيفة عبر العقوبات والتدخلات، في حين تقف عاجزة تماماً أمام تجاوزات الدول العظمى التي تمتلك حق “الفيتو” أو النفوذ الاقتصادي والعسكري.
القانون كأداة إيديولوجية
أخطر ما في هذه المعادلة ليس مجرد عدم العدالة، بل “شرعنة الظلم”. فالقوي لا يكتفي بممارسة القوة الغاشمة، بل يحتاج إلى القانون ليمنح سلوكه غطاءً أخلاقياً ومؤسسياً. وبذلك يُساق الضعيف إلى إطاعة الأوامر ليس فقط خوفاً من البطش، بل اقتناعاً منه بأن مخالفتها “جريمة أخلاقية”. يتحول القانون هنا من أداة لإحقاق الحق إلى غسيل إيديولوجي يعيد إنتاج التفاوت والسيطرة.
نحو تحرير القانون
إن القول بأن القانون يسنه القوي ليطبقه الضعيف ليس دعوة للفوضى أو الكفر بفكرة الدولة، بل هو صيحة تحذير ومراجعة. لا يمكن للقانون أن يستعيد معناه الحقيقي إلا عندما يفك ارتباطه بموازين القوة المجردة، ويصبح وليد الإرادة الجمعية الحرة وضمير الإنسانية.
إن معركة البشرية الحقيقية ليست ضد فكرة القانون، بل من أجل “عدالة القانون”. سيبقى أي قانون يُكتب بأيدي الأقوياء لحماية مصالحهم مجرد عصا مذهبة، تلوح بالعدل ظاهراً، وتكرس العبودية باطناً، حتى تصحو الشعوب وتفرض قانوناً يُكتب بحبر المساواة، ويُطبق على الجميع دون استثناء.





