سبتمبر 19, 2026
كنانة-خلف-الكردي-سورية

في المجتمعات التي يسودها الوعي المنقوص، تتحول البديهيات إلى إنجازات، وتتحول الواجبات الوطنية والأخلاقية إلى مكارم يُطلب من الشعوب أن تُسبّح بحمد أصحابها. تُشَيَّد مدرسة، أو يُفتتح مستشفى، أو تُعبَّد طريق، فتعلوا الهتافات وتلتهب الأكفّ بالتصفيق لـ “المسؤول المعطاء”. لكن، بعيداً عن السذاجة المصنوعة، هل فكرنا يوماً ما الذي يعنيه التصفيق لشيء هو في الأصل واجبٌ مفروض؟
إن التصفيق لمن يؤدي واجبه الوظيفي ليس مجرد نفاق اجتماعي أو مجاملة عابرة؛ إنه إهانة صارخة للعقل، ومشاركة صريحة في صناعة الفشل والخراب المتراكم.
‎المال مالك… والمؤسسة لك
‎حين يُشيّد المسؤول مدرسة أو يجهز مشفى، فهو لا يدفع فلساً واحداً من جيبه الخاص، ولا يمنّ على الناس من حصالة عائلته. إنه يبني هذه المرافق من أموال الضرائب التي اقتُطعت من قوت يومك، ومن ثروات وطنك التي يحق لك ولأبنائك الاستفادة منها.
التصفيق للمسؤول لأنه أنشأ خَدَمات أساسية يشبه تماماً أن تصفق للص يُعيد إليك محفظتك المسروقة بعد أن سلب نصف ما فيها! أنت لا تشكره لأنه رجل نبيل، بل تكرّس سفاهتك الاقتصادية وسيادتك المستلبة. المسؤول في الدولة الحديثة ليس سوى موظف أُجِرَ لخدمة المواطن، يُحاسَب ويُسأل عند التقصير، ولا يُكافَأ أو يُقَدَّس عند القيام بالحد الأدنى من وظائفه.
ثقافة “التكرم” وعقد العبودية
‎حين نُصفق للواجب، نتحول بملء إرادتنا من “مواطنين” أصحاب حقوق إلى “رعايا” ننتظر المكارم. هذه الذهنية هي النواة الصلبة لكل أنظمة الاستبداد والفساد. إنها التوقيع المباشر على عقد شفوي من العبودية والتبعية؛ عقد يتنازل فيه المواطن عن حقّه في المحاسبة والمساءلة، مقابل فتات يُقدم له على أنه “إنجاز تاريخي”.
‎الواجب لا يُكافَأ عليه بالأكف المصفقة، بل يُطلب ويُفرَض ويُراقب. الموظف العام أو المسؤول السياسي لا يمتلك ترف الشعور بأنه صانع معجزات لمجرد أنه أدى عمله؛ فإن قصّر وجب حسابه وعزله، وإن أتمّ عمله فهذا هو الأصل الذي يتقاضى لأجله راتبه وسلطته.
‎خيانة الأجيال القادمة
‎إن كل تصفيقة تُمنح لمسؤول أدى واجبه فقط، هي بمثابة رصاصة تُصوَّب نحو مستقبل الأجيال القادمة. عندما نُعوّد السلطة على أن أداء الحد الأدنى يُقابل بالتهليل والثناء، فإننا نرفع عن كاهلها مسؤولية التميز والابتكار والإنجاز الحقيقي. نُرسّخ بيئة سياسية واجتماعية هشة تكتفي بـ “الستر” وتعتبر العيش في ظروف آمنة أو الحصول على تعليم متواضع طفرة تستحق التمجيد!
‎كيف لجيل أن يطالب بحقوقه كاملة إذا كان آباؤه يصفقون لمن يمنحهم قطرات من حقهم المغصوب؟ كيف لبلد أن ينهض ومقياس الإنجاز فيه هو مجرد القيام بالواجب الأساسي؟
‎العقل لا يصفق… العقل يحاسب
‎حان الوقت لنعيد ترتيب المفاهيم في أذهاننا: التصفيق مكانُه المسارح والملاعب، حيث يُقدم الفنان أو الرياضي إبداعاً خيارياً متطوعاً. أما في أروقة السياسة والإدارة العامة، فلا مكان للتصفيق. هناك فقط أرشيف للمحاسبة، وميزان للنتائج، وعين ساهرة تُراقب الحقوق.
‎إن أردنا الخروج من دائرة التخلف وصناعة واقع يستحق العيش، فلنوقف هذا العبث. التصفيق للواجب هو خيانة صريحة للعقل؛ وعلينا أن ندرك دائماً أن المواطن الواعي لا يشكر من يؤدي واجبه بماله، بل يسأله غداً: “لماذا لم تفعل ما هو أفضل؟”.