
رياض سعد
*هل يحتاج الإنسان إلى الخوف كي يكون أخلاقياً؟
*هل يحتاج الإنسان إلى الدين كي يكون إنساناً؟
من أكثر الأفكار رسوخاً في الوعي الديني والاجتماعي , و شيوعاً في مجتمعاتنا ؛ أن الأخلاق لا يمكن أن توجد خارج الدين، وأن الإنسان إذا تحرر من العقيدة الدينية فسوف يتحول، عاجلاً أو آجلاً، إلى كائن أناني تحكمه الشهوة والمصلحة والقوة، وأن غياب الإيمان يعني بالضرورة غياب الضمير، وانهيار القيم، وانتشار الانحلال والانحراف… ؛ وتُبنى على هذه الفكرة نتيجة أخرى أكثر خطورة، وهي أن المتدين أخلاقياً بالضرورة، وأن غير المتدين يفتقر، بالضرورة، إلى الضمير والقيم والوازع الأخلاقي.
وتُختصر هذه الفكرة أحياناً في جملة تبدو كأنها حقيقة بديهية:
«إذا لم يكن هناك دين، فما الذي يمنع الإنسان من أن يفعل ما يشاء؟»
لكن هذا السؤال، على بساطته، يخفي وراءه افتراضاً فلسفياً بالغ الخطورة: أن الإنسان لا يستطيع أن يكون خيراً إلا إذا كان خائفاً من العقاب، وأن الفضيلة لا قيمة لها إلا إذا كانت مفروضة من سلطة أعلى.
وهنا تبدأ المسألة الحقيقية.
لكن هذه المعادلة، على إطلاقها، لا تصمد أمام التأمل الفلسفي ولا أمام التجربة الإنسانية.
فالدين والأخلاق بينهما علاقة عميقة وتاريخية، ولا يمكن إنكار أن الأديان أسهمت في ترسيخ منظومات واسعة من القيم، كالصّدق والعدل والرحمة والأمانة والعفو والإحسان وتحريم الظلم والاعتداء… ؛ لكن وجود هذه العلاقة لا يعني أن الأخلاق ملكٌ حصري للدين، ولا أن الإنسان عاجز عن إدراك الخير والشر إلا من خلال النص الديني.
إن اختزال الأخلاق في الدين هو في الحقيقة اختزال للإنسان نفسه؛ لأنه يفترض أن الإنسان لا يستطيع أن يكون صادقاً إلا إذا خاف العقاب، ولا أميناً إلا إذا انتظر الثواب، ولا رحيماً إلا إذا كان يخشى النار، ولا يحترم الآخر إلا لأن هناك سلطة غيبية تراقبه.
وهنا يبرز السؤال الأهم: هل الإنسان أخلاقي لأنه يخاف أن يُعاقب، أم لأنه أدرك أن الظلم قبيح، وأن الخيانة مؤذية، وأن الكذب يهدم الثقة، وأن الإنسان الآخر جدير بالاحترام؟
هذه الأسئلة تقودنا إلى منطقة أعمق من الصراع بين «التدين» و«اللادين»: إنها تقودنا إلى فلسفة الأخلاق نفسها.
*الأخلاق أوسع من التدين
الأخلاق ليست اختراعاً حصرياً للمؤسسة الدينية .
اذ ينبغي أولاً التفريق بين أمرين:
الدين يمكن أن يكون مصدراً عظيماً للأخلاق، لكنه ليس بالضرورة المصدر الوحيد الممكن للأخلاق.
فالأديان عبر التاريخ أسهمت في بناء منظومات أخلاقية واسعة، ودعت إلى الصدق والعدل والرحمة والإحسان والأمانة وتحريم الظلم والقتل والاعتداء.
لكن الإنسان عرف قواعد التعايش والعدل والتعاون قبل أن تكون هناك مؤسسات دينية بالشكل الذي نعرفه اليوم.
فالقبائل والمجتمعات البشرية الأولى احتاجت إلى قواعد تنظّم العلاقات، وتحرم الاعتداء داخل الجماعة، وتحمي الأسرة، وتنظم الملكية، وتضع حدوداً للثأر والخيانة والسرقة.
لم يكن الإنسان قادراً على بناء مجتمع أصلاً من دون قدر من القواعد الأخلاقية.
وهنا يظهر سؤال فلسفي قديم:
هل لأن الدين أمر بالخير أصبح الخير خيراً، أم أن الدين أمر بالخير لأنه خير؟
وقد اشتهرت في الفلسفة القديمة معضلة مرتبطة بسقراط، عُرفت لاحقاً باسم معضلة أوثيفرون، ومضمونها أن السؤال ليس بسيطاً كما يبدو: هل الأشياء خيّرة لأن الآلهة تأمر بها، أم أن الآلهة تأمر بها لأنها خيّرة؟
إذا قلنا إن الشيء خير فقط لأن السلطة الإلهية أمرت به، يصبح معيار الخير مرتبطاً بالأمر وحده.
أما إذا قلنا إن السلطة الإلهية تأمر به لأنه خير، فهذا يعني أن مفهوم الخير يمكن مناقشته من حيث معناه وخصائصه، ولا يصبح مجرد نتيجة للأمر.
وهذا السؤال لم يفقد أهميته حتى اليوم.
أرسطو: الإنسان الأخلاقي لا يصنعه الخوف
عند أرسطو لا تختزل الأخلاق في مجموعة أوامر ونواهٍ، بل ترتبط بتكوين الشخصية الإنسانية.
فالإنسان يصبح شجاعاً بممارسة الشجاعة، وعادلاً بممارسة العدل، وكريماً بممارسة الكرم.
وهنا نجد فكرة بالغة الأهمية:
الأخلاق ليست فقط ما تعرفه، وإنما ما تصبح عليه.
قد يعرف الإنسان أن الصدق فضيلة، لكنه يكذب.
وقد يعرف أن الظلم سيئ، لكنه يظلم.
وقد يحفظ عشرات النصوص عن الرحمة، لكنه يقسو على أقرب الناس إليه.
إذن معرفة القاعدة الأخلاقية لا تكفي لصناعة الإنسان الأخلاقي.
الفضيلة تحتاج إلى ممارسة وتربية وعادة وشخصية وضمير.
ومن هنا يمكن فهم الفرق بين شخص لا يرتكب الجريمة لأنه يخشى الشرطة، وشخص لا يرتكبها لأنه لا يقبل أن يؤذي إنساناً آخر.
الأول يخضع للرقابة.
والثاني يمتلك رقابة داخلية.
كانط: الإنسان غاية وليس وسيلة
أما كانط فقد نقل النقاش الأخلاقي إلى مستوى آخر حين جعل من احترام الإنسان غاية في ذاته مبدأ مركزياً في الأخلاق.
وفق هذا التصور، لا ينبغي أن أتعامل مع الإنسان الآخر باعتباره مجرد وسيلة لتحقيق مصالح شخصية.
وهنا يصبح احترام الآخر قائماً على إنسانيته، لا على مقدار فائدته لي.
وهذه الفكرة مهمة جداً في موضوعنا.
فإذا كنت لا تسرق لأن هناك كاميرا، فإن القانون الخارجي هو الذي يردعك.
أما إذا كنت لا تسرق لأنك ترى أن حق الآخر مقدس حتى عندما لا يستطيع الدفاع عنه، فقد انتقلت من الخوف من العقوبة إلى الالتزام الأخلاقي.
وهذا هو الفارق بين القانون والأخلاق، مع أن كليهما يتداخلان.
القانون يقول لك: لا تفعل ذلك لأنك ستُعاقب.
أما الأخلاق فتسألك: لماذا تريد أن تفعل ذلك أصلاً؟
نيتشه والسؤال الأكثر إزعاجاً
ثم يأتي نيتشه ليضع يده على منطقة أكثر حساسية: هل كل ما نسميه «أخلاقاً» هو حقاً أخلاق، أم أن بعض المنظومات الأخلاقية يمكن أن تتحول إلى أدوات للسيطرة على الإنسان؟
لم يكن نيتشه ببساطة داعياً إلى الانفلات الأخلاقي كما يُختزل أحياناً، وإنما كان ناقداً لجذور القيم وطريقة تشكلها، وسأل عن القوى التاريخية والاجتماعية التي تقف وراء بعض الأحكام الأخلاقية.
وهنا تكمن قيمة السؤال النيتشوي: من الذي وضع معيار الخير والشر؟ وكيف أصبح هذا المعيار مقدساً؟
إن السؤال لا يعني بالضرورة رفض الأخلاق، وإنما يعني ضرورة فحصها ونقدها وعدم التعامل معها ككتلة مغلقة لا يجوز التفكير فيها.
فالإنسان الأخلاقي ليس بالضرورة الإنسان الذي يردد أكثر الشعارات الأخلاقية، وإنما قد يكون الإنسان الذي يمتلك شجاعة مراجعة نفسه وقيمه عندما يكتشف أنها تناقض العدالة أو الكرامة الإنسانية.
دوركايم: الأخلاق ظاهرة اجتماعية أيضاً
أما عالم الاجتماع إميل دوركايم، فقد نظر إلى الأخلاق من زاوية اجتماعية؛ فالإنسان لا يعيش منفرداً، وإنما يتشكل جزء كبير من سلوكه داخل الجماعة والمؤسسات والعادات والقوانين والتربية.
وهذا يفسر لماذا يمكن أن تختلف بعض القواعد والتصورات الأخلاقية من مجتمع إلى آخر، ولماذا تحتاج المجتمعات إلى مؤسسات تنتج الثقة والانضباط والتعاون.
ومن هنا فإن تفسير الأخلاق بالدين وحده يتجاهل عوامل أخرى شديدة التأثير:
الأسرة، المدرسة، القانون، المجتمع، الثقافة، الاقتصاد، المؤسسات، التجربة الشخصية، والضمير الفردي.
فالإنسان لا يتعلم الأخلاق من كتاب واحد فقط؛ إنه يتعلمها أيضاً من أمه وأبيه، ومن المدرسة، ومن الشارع، ومن تجاربه، ومن ألمه، ومن علاقته بالآخرين، ومن رؤيته لنتائج أفعاله.
*دائرة الاخلاق أوسع من الدائرة الدينية
نعم , الأخلاق ليست مجرد مجموعة أوامر ونواهٍ؛ إنها منظومة من القيم والمبادئ التي تنظّم علاقة الإنسان بذاته وبالآخرين وبالمجتمع.
ولعل الحديث المنسوب إلى النبي محمد: «إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق» يدل على ذلك؛ فالأخلاق في جوهر الرسالة ليست مجرد مجموعة من الأوامر والنواهي، ولا سلوكاً شكلياً يهدف إلى نيل رضا الآخرين، وإنما هي وعيٌ واختيارٌ ومسؤولية، وقيمة الإنسان الأخلاقية لا تكتمل بالامتثال الظاهري وحده، بل بقدر ما يصدر سلوكه عن قناعة وضمير وإرادة حرة.
فالإنسان الذي يفعل الخير خوفاً من الناس يختلف، في المعنى الأخلاقي، عن الإنسان الذي يفعله لأنه يؤمن بأنه خير… , وكذلك فإن الصدق الذي لا يقوم إلا خشية انكشاف الكذب يختلف عن الصدق الذي ينبع من احترام الحقيقة، والطاعة التي تقوم على الخوف من المجتمع تختلف عن السلوك الأخلاقي الذي يختاره الإنسان عن وعي واقتناع.
ومن هنا يمكن فهم الأخلاق بوصفها انتقالاً من مجرد الامتثال إلى الوعي، ومن الخوف من الناس إلى الرقابة الداخلية، ومن البحث عن رضا المجتمع إلى البحث عن الحق والخير. فالمجتمع قد يفرض على الإنسان بعض السلوكيات، لكن الأخلاق الحقيقية تبدأ عندما يصبح الإنسان قادراً على اختيار الخير حتى عندما لا يراقبه أحد، وعلى الالتزام بما يراه حقاً دون حاجة إلى تصفيق الآخرين أو خوفهم.
ولهذا فإن بناء الإنسان الأخلاقي لا يعني إلغاء إرادته أو تحويله إلى كائن مطيع بلا تفكير، بل يعني أن يمتلك عقلاً يميز، وضميراً يحكم، وإرادة تختار، ومسؤولية تجعله يدرك نتائج اختياراته… , وحينها تصبح الأخلاق جزءاً من شخصيته، لا مجرد قناع يرتديه أمام المجتمع.
كذلك الأمر نفسه ينطبق على الدوافع الدينية لهذا الخُلُق أو ذاك… ؛ فالإنسان قد يمتنع عن السرقة لأنه يخاف الله، وقد يمتنع عنها أيضاً لأنه يرى في السرقة اعتداءً على حق إنسان آخر. وقد يقول الحقيقة لأنه يؤمن بأن الصدق واجب ديني، وقد يقولها لأنه يرى أن الثقة بين البشر لا يمكن أن تقوم من دون الصدق.
والفعلان قد يتشابهان في النتيجة، لكنهما يختلفان في الأساس الفلسفي الذي ينطلق منه كل واحد منهما.
ولهذا ناقش الفلاسفة منذ أزمنة بعيدة مصدر الإلزام الأخلاقي: هل مصدره الوحي؟ أم العقل؟ أم الطبيعة الإنسانية؟ أم المنفعة العامة؟ أم العقد الاجتماعي؟ أم التعاطف والضمير؟ أم مزيج من هذه العناصر؟
وقد قدّم أرسطو مثلاً تصوره للأخلاق من خلال الفضيلة وتكوين الشخصية، بينما جعل كانط أساساً مهماً للأخلاق في الواجب والعقل واحترام الإنسان بوصفه غاية في ذاته , كما اسلفنا … ؛ أما هيوم فأولى أهمية للمشاعر الإنسانية والتعاطف في الحياة الأخلاقية.
وهذا كله يدل على أن سؤال الأخلاق أقدم وأوسع من اختزاله في عبارة: «إما أن تكون متديناً وإما أن تكون بلا أخلاق».
المشكلة ليست في الدين، بل في احتكار الأخلاق
ليس من الضروري، لكي ننتقد احتكار الدين للأخلاق، أن نهاجم الدين نفسه.
فهناك فرق كبير بين القول: «الدين مصدر مهم للأخلاق عند المؤمنين»
وبين القول: «لا يمكن أن تكون أخلاقياً من دون دين».
الأولى عبارة يمكن مناقشتها والدفاع عنها في إطار فلسفي وديني واسع، أما الثانية فهي دعوى مطلقة تحتاج إلى دليل، والواقع الإنساني لا يثبتها بهذه الصورة.
فالإنسان غير المتدين يمكن أن يكون أميناً، وفياً، رحيماً، عادلاً، متسامحاً، محباً للخير، رافضاً للظلم، مستعداً للتضحية من أجل الآخرين.
وفي المقابل، لا يكفي أن يكون الإنسان متديناً في مظهره أو منتسباً إلى دين معين لكي يصبح أخلاقياً بالضرورة.
وهنا يجب أن نتوقف عند حقيقة مؤلمة: التدين شيء، والأخلاق شيء آخر؛ وقد يجتمعان، وقد ينفصل أحدهما عن الآخر.
لا تجعلوا المجتمعات نموذجاً جاهزاً للمقارنة
يُقال أحياناً: انظروا إلى بعض المجتمعات العلمانية؛ القانون يُحترم، والمواعيد تُحترم، والممتلكات العامة تُصان، والنظام يسود، ثم انظروا إلى مجتمعات ترفع شعارات دينية بينما تعاني من الفساد والكذب والمحسوبية والاعتداء على المال العام.
وقد تُروى في هذا السياق حكايات عن محفظة ضائعة في اليابان تعود إلى صاحبها، أو عن سياسي في دولة أوروبية يستقيل بسبب فضيحة أخلاقية، أو عن نظافة مدينة لا تكثر فيها الشعارات الدينية، في مقابل مدينة تكثر فيها النصوص الدينية على الجدران بينما تنتشر فيها النفايات والفساد.
هذه الأمثلة قد تكون مؤثرة أدبياً، لكنها لا تصلح وحدها دليلاً علمياً على أن العلمانية تنتج الأخلاق أو أن التدين ينتج الفساد؛ فكل مجتمع له تاريخه ومؤسساته وثقافته ومستوى تطبيق القانون ونظامه التعليمي والاقتصادي والسياسي.
لكنها تصلح لطرح سؤال أعمق: لماذا يمكن أن نجد سلوكاً أخلاقياً مرتفعاً لدى أشخاص لا يتخذون الدين مرجعاً أساسياً في حياتهم، ونجد في المقابل أشخاصاً شديدي التدين في الخطاب والمظهر، لكن سلوكهم يناقض أبسط القيم التي يتحدثون عنها؟
الجواب يكمن في أن الأخلاق لا تُقاس بما يقوله الإنسان عن نفسه، وإنما بما يفعله عندما تتعارض مصلحته مع حق الآخرين.
الأخلاق التي لا تحتاج إلى كاميرا
لنفترض أن شخصاً وجد محفظة مليئة بالمال في مكان لا توجد فيه كاميرات ولا شهود ولا إمكانية لمعرفة صاحبها.
هنا يبدأ الامتحان الأخلاقي الحقيقي.
إذا أعادها، فليس مهماً فقط أنه خاف من العقوبة؛ الأهم أنه أدرك أن المال ليس ماله، وأن صاحبه قد يكون في حاجة إليه، وأن الاستيلاء عليه ظلم حتى لو كان قادراً على الإفلات.
وكذلك الحال في الكذب.
إذا كان الإنسان يستطيع أن يكذب دون أن يُكتشف، لكنه يختار الحقيقة لأن الصدق عنده قيمة في ذاته، فقد وصل إلى مستوى من الأخلاق يتجاوز مجرد الخوف من العقاب.
والأمر نفسه ينطبق على احترام المرأة، وحماية الضعيف، ورد الأمانة، وعدم استغلال حاجة الآخرين، وعدم خيانة الصديق، وعدم الاعتداء على المال العام.
الأخلاق الحقيقية تظهر بصورة أوضح عندما يغيب الرقيب الخارجي.
فالإنسان الذي لا يسرق لأن الكاميرا تراقبه قد يكون ممتثلاً للقانون، لكن الإنسان الذي لا يسرق حتى عندما يتأكد أن أحداً لن يراه، يقدّم نموذجاً أعمق عن الضمير الأخلاقي.
الخوف قد يمنع الجريمة، لكنه لا يصنع الفضيلة وحده
لا شك أن الخوف من العقوبة يمكن أن يكون عاملاً مهماً في ضبط السلوك، سواء كانت العقوبة قانونية أو اجتماعية أو دينية.
لكن السؤال هو: هل يكفي الخوف لصناعة الإنسان الأخلاقي؟
إذا لم تسرق لأن الشرطة قد تكتشفك، فأنت تحسب حساب العقوبة.
أما إذا لم تسرق لأنك ترى أن السرقة اعتداء على حق إنسان آخر، فأنت تتعامل مع المسألة من زاوية أخلاقية.
والفرق بين الأمرين يشبه الفرق بين إنسان لا يؤذي الآخرين لأنه يخشى العقوبة، وإنسان لا يؤذيهم لأنه يؤمن بأنهم يستحقون الاحترام.
لذلك فإن المجتمع الأخلاقي لا ينبغي أن يعتمد على الكاميرات والعقوبات والخوف وحدها، بل يحتاج إلى ضمير داخلي، وتربية، وتعليم، وقانون عادل، وثقافة تحترم الإنسان.
وهل يمكن أن يكون المتدين غير أخلاقي؟
نعم، لأن التدين ليس ضماناً آلياً للأخلاق.
وقد أدركت النصوص الدينية نفسها هذا الأمر قبل أن يكتشفه النقد الحديث؛ فالقرآن، مثلاً، لا يكتفي بالسؤال عن الانتماء الديني أو المظهر، بل يربط الإيمان بالسلوك والمسؤولية والعدل والإحسان.
اذ جاء في احدى الآيات القرآنية : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾
وكذلك جاء : ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ… وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ…﴾
وهذه الآيات وغيرها تبيّن أن الأخلاق ليست مجرد طقوس أو مظهر؛ فالعدل والإحسان والرحمة وإغاثة المحتاج ورد الحقوق عناصر أساسية في التصور الأخلاقي الديني.
ولهذا فإن استخدام الدين لتبرير الأخلاق، ثم ممارسة عكسها في الواقع، يمثل تناقضاً بين الدين بوصفه قيمة وبين السلوك الذي يدّعي صاحبه تمثيل الدين.
الإنسان قبل الشعار
قد يكون الإنسان متديناً لكنه ظالم، وقد يكون غير متدين لكنه عادل.
وقد يكون الأول صادقاً في عبادته لكنه ضعيف في أخلاقه، وقد يكون الثاني بعيداً عن الدين لكنه شديد الالتزام بالصدق والعدل واحترام الآخرين.
ولا يعني ذلك أن غير المتدين أفضل أخلاقياً، كما لا يعني أن المتدين أسوأ أخلاقياً.
إنه يعني شيئاً أبسط وأعمق: لا يمكن استنتاج أخلاق الإنسان من هويته الدينية وحدها.
فالإنسان يُعرف بأفعاله.
والدين الذي يدعو إلى الرحمة لا يصبح رحمةً بمجرد رفع شعاره، والدعوة إلى الصدق لا تصبح صدقاً بمجرد ترديدها، والحديث عن العدل لا يساوي العدل نفسه.
بين القول والفعل مسافة اسمها الأخلاق.
الأخلاق ليست ملكاً لأحد
من الخطأ أن يقول المتدين لغير المتدين: «أنت بلا أخلاق لأنك لا تؤمن بما أؤمن به».
ومن الخطأ في الاتجاه المقابل أن يقول غير المتدين: «كل متدين منافق أو سيئ الأخلاق».
كلا الحكمين يقوم على التعميم نفسه.
فالأخلاق فضاء إنساني واسع، ساهمت الأديان في بنائه وترسيخه، كما ساهمت الفلسفة والقانون والعرف والتربية والتجربة الإنسانية والتطور الاجتماعي في تشكيل مفاهيمه.
والإنسان يستطيع أن يصل إلى بعض القيم الأخلاقية عن طريق الوحي، أو العقل، أو الضمير، أو التجربة، أو التعاطف، أو القانون، أو اجتماع هذه المصادر جميعاً.
ولهذا فإن السؤال الأجدر ليس: هل أنت متدين أم غير متدين؟
بل: كيف تتصرف عندما تكون لك القدرة على الظلم ولا تخشى عقوبة؟
هل ترد الأمانة؟
هل تحفظ السر؟
هل تقول الحقيقة عندما يكون الكذب أكثر فائدة لك؟
هل تحترم الإنسان الذي لا يستطيع أن يرد عليك؟
هل تصون المال العام عندما لا يراقبك أحد؟
هل تساعد الضعيف عندما لا تحصل على مقابل؟
هل تستطيع أن تختلف مع الآخر من دون أن تهينه أو تسلبه إنسانيته؟
هنا تبدأ الأخلاق الحقيقية.
من الدين الأخلاقي إلى أخلاق الإنسان
إن أخطر ما يمكن فعله هو تحويل الدين من منظومة قيم تُهذّب الإنسان إلى أداة لاحتكار الحق الأخلاقي.
فإذا أصبح الدين مجرد هوية يتفاخر بها الإنسان، بينما يمارس الكذب والظلم والفساد والعدوان، فقد انفصلت العبادة عن غايتها الأخلاقية.
وفي المقابل، إذا رفض الإنسان الدين، فلا ينبغي أن يُعامل تلقائياً بوصفه فاقداً للضمير والأخلاق.
فالإنسان ليس حيواناً ينتظر العصا كي لا يعضّ الآخرين.
في داخله قدرة على التعاطف، وإدراك الألم، والشعور بالمسؤولية، والتمييز بين الأذى والمنفعة، وبناء قواعد للتعايش، وإنتاج معنى للعدل والكرامة والحرية.
وهذه القدرة يمكن أن تتغذى من الدين، كما يمكن أن تتشكل أيضاً من العقل والتجربة الإنسانية والتربية والقانون والفلسفة والثقافة.
الخلاصة
ليست المشكلة في الدين، وإنما في اختزال الأخلاق في الدين واحتكارها باسم الدين.
وليست المشكلة في أن يقول المؤمن إن دينه مصدر مهم لأخلاقه؛ فهذا حقه وقناعته. المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الاعتقاد الشخصي إلى حكم كلي على جميع البشر، فيصبح غير المتدين في المخيال الاجتماعي مشروعاً للانحلال، ويصبح المتدين، بمجرد تدينه، نموذجاً للأخلاق.
الحقيقة أكثر تعقيداً من ذلك.
قد يكون الدين طريقاً إلى الأخلاق عند إنسان، وقد تكون الفلسفة أو الضمير أو التربية أو القانون أو التجربة الإنسانية طريقاً إليها عند إنسان آخر.
لكن القيمة الأخلاقية لا تظهر في الشعار، وإنما في السلوك.
فالإنسان الشريف ليس من يحتاج دائماً إلى عين تراقبه كي يمتنع عن الظلم، بل من يحمل في داخله عيناً أخلاقية تمنعه من الظلم حتى عندما تغيب كل العيون.
ومن هنا يمكن أن نعيد صياغة المسألة كلها: ليس السؤال: بماذا تؤمن؟
بل: ماذا تفعل بما تؤمن به؟
وليس السؤال: هل تخاف العقوبة؟
بل:هل تستطيع أن تكون عادلاً عندما لا يخيفك أحد؟
إن الدين حين يتحول إلى أخلاق حية يضيف إلى الإنسان معنى عظيماً، أما حين يتحول إلى مجرد هوية أو شعار يُستخدم للحكم على الآخرين، فإنه يفقد جوهره الأخلاقي.
وفي النهاية، لا الدين وحده يحتكر الفضيلة، ولا اللادين وحده ينتجها.
الأخلاق أوسع من الانتماء، وأعمق من المظهر، وأصدق من الشعارات؛ إنها امتحان الإنسان أمام الإنسان.



