أكتوبر 6, 2026
LOGO

عماد ياسين الزهيري

١.المقدمة .في 30 أيلول/سبتمبر 2026 يدخل العراق محطة وطنية ذات دلالة سياسية وأمنية وتاريخية، مع الإعلان عن انتهاء مهمة القوات الأمريكية وقوات التحالف الدولي في العراق ضمن إطار عملية العزم الصلب، وانتقال المسؤولية الأساسية عن الأمن الوطني إلى المؤسسات العراقية. وقد أعلنت وزارة العدل العراقية اعتماد هذا التاريخ مناسبة بعنوان «يوم السيادة الوطني». وفي الوقت نفسه، فإن انتهاء المهمة العسكرية للتحالف لا يعني بالضرورة انقطاع كل أشكال التعاون الدولي؛ إذ أشارت التقارير إلى استمرار أشكال محدودة من التدريب والدعم الاستخباري للعراق.

لكن السؤال الأهم ليس (هل خرجت القوات الأجنبية من العراق)؟

بل هل أصبح القرار العراقي مستقلاً بالقدر الذي يجعل العراق سيداً على خياراته؟

فالسيادة ليست مجرد خروج جندي أجنبي من قاعدة، ولا رفع علم الدولة فوق مبنى، ولا إعلان سياسي في مناسبة وطنية السيادة الحقيقية هي قدرة الدولة على امتلاك قرارها، وحماية حدودها، وإدارة مواردها، واحتكار القوة الشرعية، وتحديد علاقاتها الخارجية وفق مصالحها الوطنية، دون إكراه أو تبعية أو وصاية.

٢. ما معنى السيادة ؟

أ.لغوياً، ترتبط كلمة السيادة بالجذر العربي «ساد»، أي علا وارتفع وتقدم وأصبح سيداً وقائداً، وتأتي بمعاني العظمة والمجد والشرف والتقدم والسلطة. وفي الاستعمال السياسي الحديث أصبحت السيادة تعني سلطة الدولة العليا على إقليمها وسكانها واستقلال إرادتها في علاقاتها الخارجية.

ب.أما اصطلاحاً، فالسيادة هي السلطة العليا والنهائية داخل إقليم الدولة، والاستقلال الخارجي في مواجهة الدول الأخرى، بحيث لا توجد سلطة أجنبية تعلو على السلطة الدستورية للدولة.

ج.وفي الفقه الإسلامي، لا تُفهم السيادة بمعنى الانفلات من القيم أو المسؤولية، بل في إطار الأمانة والعدل والمصلحة العامة واحترام العهود. وتؤكد الأدبيات الفقهية المعاصرة أن تنظيم الدولة والدستور والعلاقات بين السلطات يدخل في نطاق السياسة الشرعية والمصلحة العامة، وأن الالتزام بالنظام الدستوري والقانوني يرتبط بحماية وحدة المجتمع وانتظام شؤون الدولة.

د.أما دستورياً، فقد حسم الدستور العراقي المسألة بوضوح بالغ عندما نص في المادة الأولى على أن العراق دولة مستقلة ذات سيادة، كما قرر في المادة الخامسة أن السيادة للقانون وأن الشعب مصدر السلطات وشرعيتها. ونص كذلك على حماية استقلال العراق وسيادته ووحدته وسلامة أراضيه، وجعل السياسة الخارجية والأمن الوطني والدفاع من الاختصاصات الاتحادية.

{وهنا تظهر الحقيقة الأولى السيادة العراقية ليست منحة من الخارج، ولا ملكاً لحكومة أو حزب أو جماعة، وإنما هي حق دستوري أصيل للدولة والشعب}.

٣. مبادئ السيادة السياسية يمكن تحديد السيادة السياسية العراقية في مجموعة من المبادئ الأساسية.

أ.مبدأ الاستقلال.أن يكون العراق قادراً على اتخاذ قراراته الداخلية والخارجية دون إملاءات خارجية.

ب.مبدأ وحدة القرار الوطني.أن تكون القرارات المتعلقة بالحرب والسلم والأمن القومي والعلاقات الخارجية بيد مؤسسات الدولة الدستورية.

ج. مبدأ احتكار القوة الشرعية.فلا يمكن لدولة أن تكون كاملة السيادة بينما توجد قوى مسلحة خارج منظومة الدولة أو تمتلك قرار الحرب والسلم بصورة مستقلة عن المؤسسات الدستورية. والدستور العراقي يحظر تكوين ميليشيات عسكرية خارج إطار القوات المسلحة.

د.مبدأ سيادة القانون .السيادة لا تعني سلطة الحكومة على الشعب، وإنما خضوع الحاكم والمحكوم للقانون والدستور.

هـ. مبدأ السيطرة على الإقليم . وتشمل الأرض والمياه الإقليمية والمجال الجوي والحدود والمنافذ والثروات.

و. مبدأ الاستقلال الاقتصادي .فالقرار السياسي يصبح هشاً عندما تكون الدولة شديدة الارتهان لمصدر واحد للدخل أو الطاقة أو الغذاء أو التمويل.

ز. مبدأ التوازن في العلاقات الدولية . العراق لا يحتاج إلى سياسة العداء مع أحد، كما لا يحتاج إلى الارتهان لأحد. إنما يحتاج إلى تعدد الشراكات وتوازن المصالح.

٤. كيف نقيس السيادة الحقيقية للقرار الوطني؟

السيادة الحقيقية يمكن قياسها بمجموعة من المؤشرات العملية، وليس بالشعارات أول هذه المؤشرات

أ. هو استقلال القرار الأمني: من يقرر استخدام القوة؟ ومن يحدد طبيعة التهديد؟ ومن يمتلك القرار النهائي في الدفاع عن الأراضي العراقية؟

ب . هو  السيادة على الحدود والمجال الجوي والمياه الإقليمية.

ج. هو السيادة الاقتصادية وهل تستطيع الدولة تمويل موازنتها، وتوفير الطاقة، وحماية عملتها، وتنويع اقتصادها، دون أن تصبح خياراتها الاقتصادية رهينة للخارج؟

د. هو الاستقلال الدبلوماسي وهل يستطيع العراق إقامة علاقاته مع الولايات المتحدة وإيران وتركيا ودول الخليج وأوروبا والصين وروسيا وسائر دول العالم على أساس المصلحة العراقية، وليس على أساس الاصطفاف في محاور متصارعة؟

هـ. هو تماسك المؤسسات إذ لا تكون الدولة قوية إذا كانت المؤسسات الرسمية عاجزة عن تنفيذ قراراتها.

و. سادسها الشرعية الداخلية فالدولة التي تحظى بثقة مواطنيها تكون أكثر قدرة على مقاومة الضغوط الخارجية.

ومن هنا يمكن القول إن السيادة لها ثلاثة أبعاد مترابطة {سيادة قانونية، وسيادة سياسية، وسيادة فعلية} قد تكون الدولة مستقلة قانونياً، لكنها ضعيفة فعلياً. وقد تكون مؤسساتها قوية عسكرياً، لكنها ضعيفة اقتصادياً. والسيادة المكتملة لا تتحقق إلا عندما تتكامل هذه الأبعاد.

5. كيف نحمي السيادة العراقية ونطورها ؟

حماية السيادة لا تبدأ من الحدود فقط، وإنما تبدأ من بناء الدولة.

أ. يجب بناء عقيدة أمن وطني عراقية واضحة، تحدد مصادر التهديد ومصالح العراق العليا بعيداً عن الاستقطابات الإقليمية.

ب. تعزيز القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والاستخبارية والدفاع الجوي وحماية الحدود، بحيث تمتلك الدولة القدرة على معرفة ما يحدث داخل مجالها الحيوي والاستجابة له.

ج. ترسيخ مبدأ وحدة السلاح والقرار الأمني تحت السلطة الدستورية.

د. تنويع الاقتصاد العراقي وتقليل الاعتماد المفرط على النفط، لأن الاستقلال الاقتصادي هو أحد أعمدة الاستقلال السياسي.

هـ. بناء علاقات دولية متوازنة .فالعراق يستطيع التعاون مع واشنطن دون أن يكون تابعاً لها، والتعاون مع طهران دون أن يكون تابعاً لها، والانفتاح على الخليج وتركيا وأوروبا والصين وروسيا دون الدخول في سياسة المحاور.

و. الاستثمار في الإنسان العراقي .لأن السيادة في القرن الحادي والعشرين ليست فقط دبابات وطائرات، بل علم وتكنولوجيا واقتصاد ومياه وطاقة وأمن سيبراني وإعلام وذكاء اصطناعي.

٦. هل يستطيع العراق الحفاظ على استقلال قراره وسط الصراع الأمريكي ـ الإيراني ؟

هنا تكمن أصعب الأسئلة.

العراق موجود في قلب منطقة شديدة التعقيد، ويرتبط جغرافياً واقتصادياً وأمنياً بكل من إيران والولايات المتحدة ودول الخليج وتركيا وسوريا. ومع تصاعد المواجهة الأمريكية ـ الإيرانية في 2026، أصبح العراق أمام اختبار بالغ الحساسية فالتقارير الحالية تشير إلى أن الولايات المتحدة وإيران تخوضان مواجهة مباشرة، فيما يحاول العراق تجنب أن يتحول مرة أخرى إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى المتنافسة.

لكن الاستقلال لا يعني العزلة هذه نقطة جوهرية يجب أن يدركها العراقيون العراق لا يستطيع، ولا يحتاج، إلى قطع علاقاته مع الولايات المتحدة أو إيران. بل إن المصلحة الوطنية تقتضي بناء علاقات متوازنة مع الطرفين، مع الاحتفاظ بمسافة استراتيجية تمنع تحويل العراق إلى تابع لأي محور والتحدي الأكبر يتمثل في قدرة الدولة على منع استخدام أراضيها منصةً للهجوم على دولة أخرى، وفي الوقت نفسه منع أي دولة أخرى من استخدام الأراضي أو الأجواء أو المياه العراقية ضد العراق أو غيره وهنا تبرز قاعدة استراتيجية مهمة {,العراق القوي ليس العراق الذي يختار عدواً دائماً، وإنما العراق الذي يجعل مصالحه الوطنية هي بوصلته الدائمة}

إن انتهاء مهمة التحالف يمكن أن يمثل بداية مرحلة جديدة، لكنه لا يمثل وحده اكتمال السيادة فالسيادة تبدأ عندما يصبح قرار بغداد هو المرجعية النهائية للقرار العراقي.

٧. الخاتمة . السيادة ليست يومًا في التقويم

إن يوم السيادة العراقي ينبغي ألا يكون مجرد مناسبة احتفالية، بل عقداً وطنياً جديداً.

فالعراق الذي خرج من حروب طويلة، وواجه الإرهاب، وتحمل التدخلات والصراعات الإقليمية والدولية، يستحق أن ينتقل من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إدارة الدولة.

السيادة ليست أن نقول للعالم ( لا تتدخلوا في شؤوننا) فقط وإنما أن نبني دولة تجعل التدخل في شؤونها أصعب وليست السيادة أن نرفض الآخرين بل أن نتعامل معهم من موقع الندية والمصلحة المتبادلة وليست السيادة أن نرفع شعار الاستقلال بل أن نمتلك اقتصاداً مستقلاً نسبياً، وقوة عسكرية وطنية، ومؤسسات دستورية راسخة، وقراراً سياسياً متماسكاً، ودبلوماسية فاعلة، ومجتمعاً متضامناً.

لقد انتهت اليوم مرحلة مهمة من الوجود العسكري للتحالف في العراق، ولكن الاختبار الحقيقي يبدأ من هذه اللحظة.

فخروج القوات الأجنبية يمكن أن يكون نهاية مرحلة، أما بناء السيادة الحقيقية فهو مشروع دولة وإذا نجح العراق في تحويل موقعه الجغرافي من ساحة صراع إلى مساحة توازن، ومن نقطة ضعف إلى مصدر قوة، ومن اقتصاد ريعي إلى اقتصاد منتج، ومن تعدد مراكز القوة إلى وحدة القرار الدستوري، فإنه يستطيع أن يحافظ على استقلال قراره حتى في أكثر البيئات الإقليمية والدولية اضطراباً وهنا يكون معنى السيادة أعمق من مجرد انسحاب قوة أجنبية.

{السيادة أن يكون العراق عراقاً أولاً… وأن يكون القرار العراقي عراقياً} .

الفريق ق خ الركن الدكتور عماد ياسين الزهيري