
رياض سعد
نهضتُ من فراشي كعادتي، واحتسيت فنجان القهوة وأنا أستمع إلى الموسيقى الإيرانية التقليدية «السنتي». وفي أثناء ذلك جاءني اتصال من أحد أقاربي في البصرة، يخبرني بوفاة الشيخ شبيب في المحمّرة، وهو من أقاربنا أيضاً.
أسرعتُ إلى صديقي حيدر، صاحب أحد مكاتب الصيرفة في منطقتنا، وطلبت منه تصريف بعض الدنانير العراقية إلى الدولار… ؛ لكنني فوجئت بالسعر الذي أخبرني به: مئة دولار أصبحت تُباع في السوق الموازية بنحو 170 ألف دينار، بل إنّ البعض يبيع الدولار بسعر 181 ألف دينار… ؛ بعد أن كان سعرها في اليوم السابق، بحسب ما قال، يقارب 160 ألفاً.
قلت له متعجباً: كيف ارتفع السعر بهذه السرعة؟ وهل يعقل أن يصل سعر المئة دولار إلى 200 ألف دينار؟
أجابني بأن السوق يعيش حالة اضطراب، وأن قرار تغيير السعر الرسمي للدولار كان له أثر مباشر في توقعات السوق… ؛ وفي السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2026، أُعلن بالفعل عن تعديل سعر الصرف الرسمي إلى 1520 ديناراً للدولار، مقارنةً بالسعر السابق البالغ 1320 ديناراً، أي بتخفيض قيمة الدينار الرسمي بنحو 15%.
وهنا بدأ حديثنا الطويل عن الدولار، وعن السوق الموازية، وعن تهريب العملة العراقية إلى الخارج، ولا سيما إلى إيران.
الدولار ليس مجرد ورقة نقدية
المشكلة في العراق لا تتعلق بالدولار بوصفه عملة أجنبية فحسب، وإنما بوصفه عصباً رئيسياً للاقتصاد العراقي؛ فالعراق يحصل على معظم إيراداته الخارجية من النفط بالدولار، ثم يحتاج إلى الدولار لتمويل جانب كبير من الواردات والتجارة الخارجية.
ولهذا فإن أي اضطراب في عرض الدولار أو زيادة كبيرة في الطلب عليه يمكن أن ينعكس سريعاً على سعره في السوق الموازية، ومن ثم على أسعار السلع والخدمات داخل العراق.
وعندما ينتقل سعر المئة دولار من 160 ألف دينار إلى 170 ألفاً، أو الى 181 ألفا ؛ فإن ذلك يعني أن المواطن الذي كان يحتاج إلى 1.6 مليون دينار لشراء ألف دولار أصبح يحتاج إلى 1.7 مليون دينار أو 1.8مليون دينار ، قبل احتساب أي تكاليف أو عمولات أخرى.
وهذه الفجوة لا تبقى محصورة في مكاتب الصيرفة؛ إذ يمكن أن تنتقل آثارها إلى أسعار المواد الغذائية والأدوية وقطع الغيار والسلع المستوردة، وإلى تكاليف السفر والتعليم والعلاج، وإلى القوة الشرائية للدخل العراقي.
لماذا يزداد الطلب على الدولار؟
قلت لصديقي حيدر: إذا كان الدولار شحيحاً في السوق، فمن الذي يشتريه؟ ولماذا؟
قال إن جزءاً من المشكلة، بحسب ما يراه العاملون في سوق الصيرفة، يرتبط بخروج الدولار من العراق بطرق مختلفة، بعضها قانوني ومشروع، وبعضها قد يكون غير مشروع.
وهنا ينبغي التوقف عند نقطة مهمة: ليس كل دولار يخرج من العراق تهريباً. فالدولار يخرج بصورة قانونية مقابل الاستيراد والسفر والعلاج والتعليم والاستثمار والتحويلات وغيرها… ؛ أما المشكلة الاقتصادية والأمنية فتبدأ عندما يتحول الحصول على الدولار من قناة مالية مشروعة إلى نشاط يقوم على التلاعب أو التزوير أو غسل الأموال أو التحايل على القيود المصرفية والعقوبات.
وهذه ليست مجرد فرضية نظرية.
فوزارة الخزانة الأمريكية أعلنت في كانون الثاني/يناير 2024 أن التحقيقات المتعلقة بمصرف الهدى العراقي كشفت عن استخدام النظام المصرفي العراقي للحصول على الدولار وتحويل أموال بصورة غير مشروعة، وذكرت أن المصرف استخدم وثائق مزورة لتنفيذ تحويلات بلغت، بحسب الخزانة الأمريكية، نحو 6 مليارات دولار منذ إنشائه.
كما اتخذت الولايات المتحدة في شباط/فبراير 2025 إجراءات ضد خمسة مصارف عراقية إضافية، في إطار جهود مكافحة غسل الأموال وتهريب الدولار والانتهاكات المالية.
هذه الوقائع لا تعني أن كل ارتفاع في سعر الدولار سببه إيران أو التهريب، لكنها تؤكد وجود مشكلة حقيقية تتعلق باستغلال النظام المالي العراقي في عمليات غير مشروعة.
ولماذا تصبح إيران حاضرة في هذه المعادلة؟
تختلف إيران عن معظم جيران العراق في طبيعة علاقتها بالنظام المالي الدولي؛ فهي تخضع منذ سنوات لعقوبات أمريكية واسعة، الأمر الذي يجعل الوصول إلى الدولار والنظام المالي الدولي أكثر صعوبة بالنسبة إلى الشركات والجهات الإيرانية التي تقع تحت العقوبات… ؛ ومن الطبيعي، في مثل هذه البيئة، أن يصبح الوصول إلى العملات الصعبة هدفاً مهماً لشبكات التجارة والتحويلات غير الرسمية.
وقد وثقت وزارة الخزانة الأمريكية خلال السنوات الماضية حالات قالت فيها إن جهات مرتبطة بإيران استفادت من شبكات مالية ومصرفية عراقية للحصول على الدولار أو نقل الأموال، كما أعلنت في 2025 عن شبكات إيرانية تستخدم شركات واجهة وصرافة ونظاماً مالياً غير رسمي للتحايل على العقوبات.
وفي عام 2025 أيضاً، أعلنت الخزانة الأمريكية عن شبكات تستخدم العراق في عمليات مرتبطة بتهريب النفط الإيراني وبيعه على أنه نفط عراقي، بما يؤكد أن الحدود الاقتصادية بين البلدين يمكن أن تستغلها شبكات تجارية غير مشروعة تتجاوز التجارة القانونية الطبيعية.
إذن، وجود شبكات لتهريب الأموال أو التحايل على العقوبات عبر العراق أمر موثق، لكن ذلك لا يسمح لنا بالقول إن كل ارتفاع في سعر الدولار سببه تهريبه إلى إيران، أو أن كل تاجر أو صيرفي يتعامل مع إيران متورط في نشاط غير قانوني.
حجم التجارة مع إيران كبير… ولكن
العلاقة التجارية بين العراق وإيران كبيرة ومتشعبة، ولا يمكن اختزالها في التهريب.
وتشير بيانات البنك الدولي المستندة إلى قاعدة بيانات الأمم المتحدة للتجارة الدولية إلى أن إيران كانت مصدراً مهماً للعراق في عدد كبير من السلع. فعلى سبيل المثال، بلغت صادرات إيران من الحديد والصلب إلى العراق في عام 2023 نحو 1.286 مليار دولار، وفق بيانات التجارة الدولية.
كما تُظهر البيانات نفسها أن إيران كانت مصدراً مهماً للعراق في سلع صناعية أخرى.
والأهم من ذلك أن تقريراً للبنك الدولي عن الاقتصاد الإيراني أظهر أن العراق كان ثاني أكبر وجهة لصادرات إيران غير النفطية في عام 2023/2024 تقريباً، بقيمة تقارب 9 مليارات دولار وفق البيانات الإيرانية التي اعتمد عليها التقرير.
وهذه الأرقام تفسر لماذا أصبحت السوق العراقية مهمة جداً للتجارة الإيرانية.
لكن علينا أن نفرق بين التجارة المشروعة وبين تهريب الدولار.
فإذا اشترى تاجر عراقي سلعة إيرانية بصورة قانونية ودفع قيمتها من خلال قناة مالية مسموحة، فهذه تجارة طبيعية. أما إذا جرى الحصول على الدولار من خلال التلاعب بالوثائق أو استخدام أسماء أشخاص آخرين أو شركات وهمية أو تحويلات غير حقيقية أو تهريب نقدي، فهنا تتحول المسألة إلى مشكلة مالية وأمنية وقانونية.
قصة السبعة مليارات دينار
أخبرني صديقي حيدر أن شخصاً من ديالى جاء بالأمس قبل صعود الدولار السريع والمفاجئ ، بحسب روايته، ومعه نحو سبعة مليارات دينار عراقي، واشترى بها الدولار من مكاتب الصيرفة، تمهيداً لنقله إلى إقليم كردستان، ومن هناك، بحسب ما قيل، إلى إيران.
هذه الرواية، مهما بدت خطيرة، تحتاج إلى أدلة وتحقيقات رسمية حتى يمكن تحويلها من شهادة ميدانية إلى حقيقة قابلة للنشر بوصفها واقعة مثبتة.
لكنها تكشف عن سؤال أكبر: كيف يمكن لشخص أو شبكة أن تجمع مليارات الدنانير وتحولها إلى ملايين الدولارات خارج النظام المصرفي الطبيعي؟
فإذا كانت العملية قانونية ومثبتة بفواتير واستيرادات وتحويلات مصرفية حقيقية، فلا مشكلة من حيث المبدأ… ؛ أما إذا كانت الأموال تتحرك نقداً عبر سلسلة من الوسطاء والحدود ومكاتب الصيرفة بعيداً عن الرقابة، فإنها تصبح مدخلاً محتملاً لغسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة وتهريب العملة.
وهنا تكمن خطورة الاقتصاد النقدي غير المنظم.
من يدفع ثمن الدولار؟
السؤال الذي طرحته على صديقي كان بسيطاً:
ماذا يعطي الطرف الذي يريد الدولار للعراقي ؟
فأجاب بأن جزءاً من هذه العمليات قد يجري بصورة غير مباشرة، من خلال تسوية قيمة الدولار بسلع أو بضائع أو معاملات تجارية.
وهذه النقطة تحتاج أيضاً إلى تدقيق؛ لأن تسوية التجارة بالبضائع ليست بحد ذاتها جريمة، وإنما تصبح مخالفة إذا كانت البضاعة صورية، أو كانت قيمتها مضخمة أو مخفضة بصورة متعمدة، أو كانت العملية وسيلة لإخفاء حركة الأموال.
وقد أثبتت الإجراءات الدولية أن شبكات غسل الأموال الحديثة لا تعتمد دائماً على حقيبة نقود تعبر الحدود، بل يمكن أن تستخدم شركات واجهة، وفواتير تجارية، وحسابات مصرفية، وشركات صرافة، وتحويلات عبر دول ثالثة.
الخطر لا يأتي من إيران وحدها
ومن المهم هنا ألا ننظر إلى القضية باعتبارها مشكلة إيرانية فقط.
العراق يواجه مخاطر تهريب الأموال وغسلها واستغلال النظام المصرفي عبر شبكات متعددة الجنسيات والدول.
والولايات المتحدة نفسها أعلنت في 2025 عن شبكات تستخدم شركات عراقية وطرقاً بحرية وتجارية لتهريب النفط الإيراني وتسويقه على أنه عراقي، وهي قضية مختلفة عن تهريب الدولار لكنها تكشف مدى تعقيد الشبكات الاقتصادية غير الرسمية التي تعمل في المنطقة.
لذلك فإن مواجهة الظاهرة يجب ألا تتحول إلى اتهام جماعي لدولة أو قومية أو مكوّن اجتماعي، بل ينبغي أن تستهدف الشبكات والأفراد والشركات والعمليات المالية غير المشروعة أينما وجدت.
ماذا يحدث للاقتصاد العراقي عندما يخرج الدولار بصورة غير مشروعة؟
عندما يزداد الطلب على الدولار خارج القنوات الرسمية، بينما يكون عرضه محدوداً، تظهر عدة نتائج خطيرة:
أولاً: اتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية.
ثانياً: ارتفاع كلفة الاستيراد، خصوصاً في اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على السلع المستوردة.
ثالثاً: تراجع القوة الشرائية للمواطن إذا انتقلت زيادة كلفة الاستيراد إلى الأسعار.
رابعاً: ازدهار المضاربة، إذ يصبح الدولار نفسه سلعة للمراهنة على ارتفاع سعره.
خامساً: إضعاف النظام المصرفي عندما يفضل الناس التعامل النقدي خارج المصارف.
سادساً: زيادة مخاطر غسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة.
سابعاً: تعريض العراق لضغوط دولية إضافية إذا أصبح نظامه المالي قناة للتحايل على العقوبات أو تمويل شبكات محظورة.
وهذه النقطة الأخيرة ليست نظرية؛ فقد اتخذت الولايات المتحدة إجراءات متكررة ضد مصارف وشركات وأفراد عراقيين بسبب اتهامات مرتبطة بإساءة استخدام النظام المالي العراقي.
هل تستطيع الحكومة العراقية معالجة المشكلة؟
نعم، ولكن المعالجة لا تكون بمجرد ملاحقة صغار الصرافين أو المواطن الذي يريد شراء مئة دولار.
المطلوب منظومة متكاملة تبدأ من إصلاح النظام المصرفي، وتطوير الرقابة على التحويلات، وربط الاستيراد الحقيقي بالدفع الحقيقي، والتدقيق في الفواتير، وملاحقة الشركات الوهمية، وتعقب حركة الأموال الكبيرة، ومراقبة المنافذ الحدودية، وتشديد العقوبات على تهريب النقد.
كما ينبغي أن تكون هناك رقابة أكثر دقة على شركات الصرافة والتحويل المالي، مع عدم خنق النشاط التجاري المشروع.
والأهم هو معالجة أصل المشكلة: لماذا يفضّل العراقي الاحتفاظ بالدولار أو شراؤه من السوق الموازية بدلاً من التعامل مع المصارف؟
فكلما كانت المصارف أكثر ثقة وشفافية وسرعة، تراجع الاعتماد على السوق غير الرسمية.
إيران جار وشريك تجاري… ولكن
ليس من مصلحة العراق أن تتحول علاقته الاقتصادية مع إيران إلى قطيعة أو عداء اقتصادي.
إيران دولة جارة، وبين الشعبين العراقي والإيراني علاقات تاريخية واجتماعية ودينية وتجارية واسعة، والتبادل التجاري المشروع يمكن أن يكون مفيداً للطرفين.
لكن التعاون الاقتصادي شيء، وتحويل العراق إلى منفذ لتهريب الأموال أو الالتفاف على العقوبات أو استنزاف سوق العملات الأجنبية شيء آخر.
العلاقة الاقتصادية المتوازنة ينبغي أن تقوم على قاعدة واضحة: التجارة نعم، والاستثمار نعم، والتبادل الاقتصادي نعم؛ لكن ضمن القانون، وبما يحمي النظام المالي العراقي والمصلحة الاقتصادية العراقية.
فالعراق لا يستطيع أن يبني اقتصاداً مستقراً إذا كان الدولار الذي يحصل عليه من صادراته النفطية يتحول إلى سلعة للمضاربة أو التهريب، ولا يستطيع أن يحمي عملته إذا بقي جزء من حركة الأموال بعيداً عن الرقابة المصرفية والجمركية.
الخلاصة
عدتُ في نهاية الحديث إلى صديقي حيدر وقلت له: إذا كان الدولار يخرج من العراق بهذه السهولة، وإذا كان الطلب عليه يزداد بهذه الصورة، فمن سيدفع الثمن؟
فأجابني بجملة قصيرة: «المواطن».
وربما كانت هذه الكلمة هي خلاصة المشكلة كلها.
فارتفاع الدولار ليس رقماً يظهر على شاشة الصيرفة وينتهي الأمر عنده؛ إنه قد يتحول إلى ارتفاع في أسعار الغذاء والدواء والملابس وقطع الغيار والسفر والخدمات، أي إلى تراجع مباشر في مستوى معيشة الناس.
لكن مواجهة المشكلة تتطلب قبل كل شيء الابتعاد عن التعميم والانفعال.
فليس كل دولار يخرج من العراق مهرباً، وليست كل تجارة مع إيران غير مشروعة، وليس كل ارتفاع في سعر الصرف نتيجة مباشرة لتهريب الدولار.
إنما المطلوب هو تعقب المال غير المشروع أينما ذهب، وتجفيف مصادر المضاربة وغسل الأموال، وحماية الدولار العراقي من الاستنزاف، وتقوية المصارف، وضبط الحدود والمنافذ، وربط الاستيراد بالتجارة الحقيقية، ومحاسبة من يستغل الاقتصاد العراقي لمصالح غير مشروعة، أياً كان اسمه أو انتماؤه أو الجهة التي يعمل لحسابها.
إن سيادة العراق الاقتصادية لا تعني أن يغلق أبوابه أمام جيرانه، وإنما تعني أن تكون علاقاته الاقتصادية قائمة على الندية والمصلحة المتبادلة والقانون، وألا تتحول موارده المالية ونظامه المصرفي إلى أداة لخدمة أزمات اقتصادات أخرى.
فالعراق يستطيع أن يكون جاراً متعاوناً مع إيران، وشريكاً تجارياً معها، وفي الوقت نفسه قادراً على حماية ديناره ودولاره واقتصاده ومصالح مواطنيه.
وهذه ليست خصومة مع أحد؛ إنها ببساطة مسألة سيادة اقتصادية.




