
سوق الوزارات.. ومزاد بلا سقف
بقلم: كنانة خلف الكردي
في المراحل الانتقالية، لا تُقاس خطورة القرارات السياسية بما تعد به، بل بما تكرّسه من قواعد للحكم. وسوريا تقف اليوم عند منعطف حاسم: فإما أن تُبنى مؤسسات تستعيد ثقة المجتمع، وإما أن تُعاد صياغة النفوذ القديم بأسماء جديدة.
لذلك، لا يدور الجدل حول توزيع الوزارات السيادية على حقائب حكومية فحسب، بل حول شكل الدولة المقبلة: أتحكمها الكفاءة والمسؤولية، أم الولاءات والمساومات؟ فالمرحلة الانتقالية هشة، وقواعدها السياسية والمؤسسية لم تستقر بعد، فيما تتطلب التحديات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية قرارات حاسمة. وفي هذا المناخ، قد تتحول المحاصصة المعتمة وإسناد المواقع الحساسة على أساس الولاء إلى وقود لانقسام جديد وإضعاف مبكر للمؤسسات.
وزارات الدفاع والداخلية والخارجية والمالية ليست حقائب عابرة؛ إنها أعمدة الدولة. فهي مسؤولة عن بناء مؤسسات أمنية وطنية خاضعة للقانون، وحماية مصالح سوريا، وإدارة مواردها في بلد يواجه التعافي وإعادة الإعمار. وأي خلل في إدارتها لن يبقى داخل الحكومة، بل سيمتد إلى مستقبل الدولة والمجتمع. أما تحويل التسويات المؤقتة إلى قواعد دائمة، ومنح المناصب لتثبيت مراكز النفوذ، فيجعل الخلل متجذرًا في آلية الاختيار نفسها، لا في أسماء الوزراء وحدها.
في المرحلة الانتقالية، لا يكفي تقاسم السلطة؛ المطلوب قواعد تمنع احتكارها.
فسوريا لا تحتمل إعادة إنتاج الإقصاء، ولا استبدال احتكار قديم بتوازنات مغلقة جديدة. المطلوب عملية سياسية تتسع للسوريين، ومعايير معلنة لاختيار المسؤولين، ورقابة حقيقية على الأداء، ومساءلة تطال أصحاب المناصب السيادية قبل غيرهم. فشرعية المرحلة الانتقالية لا تُقاس بالشعارات، بل بقدرة مؤسساتها على حماية المواطنين، وصون الحقوق، وتقديم الخدمات، وإدارة الاختلاف بعيدًا عن صراع الغنائم.
وتبدأ إعادة بناء سوريا من إعادة تعريف المنصب العام: مسؤولية أمام الشعب، لا امتيازًا لأصحاب النفوذ؛ وتكليفًا تحكمه الكفاءة والقانون والمساءلة، لا جائزة سياسية.
فإذا دخلت الوزارات السيادية سوق المزايدات، فمن يضمن ألّا تتحول المرحلة الانتقالية نفسها إلى صفقة بلا نهاية؟
وبعد كل ما دفعه السوريون، لا ينبغي أن يكون السؤال: من نال الوزارة؟ بل: أي دولة ستبنيها، ولمن ستكون سلطتها؟
فالدولة لا تُبنى بتوزيع مفاتيحها، بل بإغلاق أبوابها أمام الاحتكار؛ وإلا صار مزاد الوزارات مزادًا على مستقبل سوريا.





