أكتوبر 10, 2026
LOGO

د. فاضل حسن شريف

عن تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله تعالى “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ۚ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ” (الحج 5) “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ” الحج 5) أي: في شك “من البعث” والنشور والريب أقبح الشك ” فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ” الحج 5) معناه: فالدليل على صحته أنا خلقنا أصلكم وهو آدم عليه السلام من تراب فمن قدر على أن يصير التراب بشرا سويا حيا في الابتداء قدر على أن يحيي العظام ويعيد الأموات. وعن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله تعالى “يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ” (الحج 5) بعد أن أشار سبحانه إلى من يجادل في اللَّه بغير علم ذكر الدليل على إمكان البعث الذي يظنه الجاهل محالا، وأورد سبحانه هذا الدليل بمثال محسوس، وهو ان اللَّه خلق الإنسان من تراب مباشرة وبلا واسطة كخلق آدم أبي البشر، أو بوسائط كخلقنا نحن بني آدم، فكل واحد منا يتكون من مني ودم، وهما من الأغذية، وهي بشتى أنواعها تنتهي إلى الماء والتراب، فالتراب إذن عنصر أساسي في تكوين الإنسان.

يتناول القرآن الكريم مفهوم “التراب” بأبعاد متعددة تجمع بين البعد التكويني الإيماني، والبعد الأخلاقي، والبعد الغيبي المتعلق بالبعث والنشور. ويمكن تقسيم دلالات التراب ومفهومه في الآيات القرآنية إلى عدّة محاور رئيسية: 1. بداية الخلق الإنساني (الأصل المادي) يُبرز القرآن التراب باعتباره المادة الأولى التي خُلق منها الإنسان الأول (آدم عليه السلام)، والتذكير بهذا الأصل يحمل دلالات على القدرة الإلهية وحقيقة الطبيعة البشرية. أصل خلق آدم: قال تعالى: “إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ” خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ” (آل عمران 59). التدرج في التكوين: ورد التراب في آيات تجسد مراحل التطور الخلقي للأنشطة البشرية، كما في قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ” (الحج 5). 2. دليل على البعث والنشور (إعادة الخلق) يُستخدم مفهوم التراب في السجال القرآني يرد به على استبعاد المشركين لإعادة الإحياء بعد التحلل والصيرورة تراباً. استبعاد المنكرين: “وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ” (السجدة 10)، وقوله تعالى: “أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ” (الصافات 16). الرد بالقدرة الأولى: يأتي الرد القرآني بأن الذي خلق الإنسان أول مرة من التراب قادر على إعادته منه بعد الفناء، كما قال تعالى: “مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ” (طه: 55). 3. الدلالة البيئية والكونية (الخصوبة وإحياء الأرض) يرتبط التراب في القرآن بالزرع ونماء الحياة، حيث يُمثّل البيئة المادية الصالحة للإنتاج والبركة إذا ما قارنته المياه. ضرب الأمثال بالتراب والزرع: قال تعالى: “فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا” (البقرة 264)، للتدليل على محق صدقات المنان والمُراءي التي لا تنبت أجراً. إحياء الأرض الهشيمة: يرتبط التراب بظاهرة الإنبات بعد الغيث كدليل حسي على القدرة الإلهية في إحياء الموات. 4. البعد النفسي والأخلاقي (التواضع والندم) يحمل التراب في الاستعمال القرآني دلالة رمزية تعكس التواضع في أصل الخلقة، وأحياناً شدة الندم يوم القيامة: التواضع: التذكير بالخلق من تراب يكسر الكبر والاستعلاء البشري. الندم والحسرة يوم القيامة: قال تعالى: “وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا” (النبأ 40)، وهو تعبير عن تمني العدم أو التساوي مع البهائم التي تعود تراباً للفرار من الحساب والجزاء. المفهوم القرآني للتراب ليس مجرد وصف لمادة جامدة، بل هو جسر رابط بين أصل الإنسان المادي، ومصيره الدنيوي بالعودة إليه، ومصيره الأخروي بالبعث منه، فضلاً عن كونه آية كونية تُستدل بها على طاقة الإحياء والقدرة المطلقة للبارئ.

وعن تفسير الميسر: قوله تعالى “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ۚ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ” (الحج 5) الْمَاءَ: الْ اداة تعريف، مَاءَ اسم. يا أيها الناس إن كنتم في شك من أن الله يُحيي الموتى فإنَّا خلقنا أباكم آدم من تراب، ثم تناسلت ذريته من نطفة، هي المنيُّ يقذفه الرجل في رحم المرأة، فيتحول بقدرة الله إلى علقة، وهي الدم الأحمر الغليظ، ثم إلى مضغة، وهي قطعة لحم صغيرة قَدْر ما يُمْضَغ، فتكون تارة مخلَّقة، أي تامة الخلق تنتهي إلى خروح الجنين حيًا، وغير تامة الخلق تارة أخرى، فتسقط لغير تمام، لنبيِّن لكم تمام قدرتنا بتصريف أطوار الخلق، ونبقي في الأرحام ما نشاء، وهو المخلَّق إلى وقت ولادته، وتكتمل الأطوار بولادة الأجنَّة أطفالا صغارًا تكبَرُ حتى تبلغ الأشد، وهو وقت الشباب والقوة واكتمال العقل، وبعض الأطفال قد يموت قبل ذلك، وبعضهم يكبَرُ حتى يبلغ سن الهرم وضَعْف العقل، فلا يعلم هذا المعمَّر شيئًا مما كان يعلمه قبل ذلك. وترى الأرض يابسةً ميتة لا نبات فيها، فإذا أنزلنا عليها الماء تحركت بالنبات تتفتح عنه، وارتفعت وزادت لارتوائها، وأنبتت من كل نوع من أنواع النبات الحسن الذي يَسُرُّ الناظرين. وجاء في تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله تعالى “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ” وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ” وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ” وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ” (الحج 5) “يا أيها الناس” أي أهل مكة “إن كنتم في ريب” شك “من البعث فإنا خلقناكم” أي أصلكم آدم “من تراب ثم” خلقنا ذريته “من نطفة” منيّ “ثم من علقة” وهي الدم الجامد “ثم من مضغة” وهي لحمة قدر ما يمضغ “مخلقة” مصورة تامة الخلق “وغير مخلقة” أي غير تامة الخلق، “لنبين لكم” كمال قدرتنا لتستدلوا بها في ابتداء الخلق على إعادته “ونُقرُّ” مستأنف “في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى” وقت خروجه، “ثم نخرجكم” من بطون أمهاتكم “طفلا” بمعنى أطفالا، “ثم” نعمركم “لتبلغوا أشدكم” أي الكمال والقوة وهو ما بين الثلاثين إلى الأربعين سنة، “ومنكم من يُتوفى” يموت قبل بلوغ الأشد، “ومنكم من يرد إلى أرذل العمر” أخسه من الهرم والخرف “لكيلا يعلم من بعد علم شيئا” قال عكرمة من قرأ القرآن لم يصر بهذه الحالة، “وترى الأرض هامدة” يابسة، “فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت” تحركت “وَرَبَتْ” ارتفعت وزادت “وأنبتت من” زائدة “كلّ زوج” صنف “بهيج” حسن.

يشرح القرآن الكريم (خلق الناس) باهتمام خاص، حيث أفرد للإنسان مساحة واسعة توضح نشأته الأولى، أطوار خلقه، خصائصه التكليفية، والغاية من وجوده. 1. أصل الخلق ومادته الأولى: يبين القرآن أن خلق الناس مرّ بمراحل مادية متدرجة تؤكد قدرة الخالق والتواضع البشري: الخلق من تراب وطين: أصل البشرية آدم عليه السلام بُدئ من تراب ثُم خُلِط بالماء فصار طيناً، ثم تحول إلى طين لازب وصلصال: “هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ” (غافر 67)، وقوله: “إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍ” (الصافات 11). النفخ في الروح: أُعطي هذا الجسد الطيني كرامته الإنسانية بنفخ الروح فيه: “فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ” (الحجر 29). 2. الأطوار البيولوجية لخلق الذرية: يسرد القرآن مراحل نمو وتخلّق الإنسان في الرحم بدقة متناهية: تدرج الأطوار: تبدأ من النطفة إلى العلقة فالضغة، ثم العظام والكساء باللحم: “وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ” (المؤمنون 12-14). سنة الزوجية والتنوع: جعل الله التناسل بين الذكر والأنثى أساساً لانتشار الناس وتنوعهم: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً” (النساء 1). 3. تكريم الإنسان وخصائص خلقه: يتميز خلق الناس عن بقية المخلوقات بخصائص ومزايـا تكليفية وعقلية: التكريم والتفضيل: “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا” (الإسراء 70). إحكام الخلقة (الأحسنية): “لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ” (التين 4). الاستعداد الروحي والعقلي: زُوّد الإنسان بالسمع والبصر والأفئدة ليعقل ويتعلم وينظر في الكون: “وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ” (النحل 78). 4. الغاية من خلق الناس: لم يُخلق الناس عبثاً أو دون هدف، بل أُسندت إليهم مهمات إيمانية وأخلاقية وحضارية: العبادة والتوحيد: “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ” (الذاريات 56). الابتلاء والاختبار: “الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا” (الملك 2). عمارة الأرض والاستخلاف: “هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا” (هود 61). التعارف والتكامل الإنساني: جعل الله اختلاف الشعوب والقبائل وسيلة للتعارف والتقارب لا للنزاع: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ” (الحجرات 13).

في البيان القرآني، لا يوجد تعارض بين (الخلق من تراب) و(الخلق من طين)، بل هما مرحلتان متتاليتان في مادة خلق الإنسان الأول (آدم عليه السلام)، حيث يمثل كل لفظ منهما حالة وطوراً فيزيائياً محدداً للمادة المكونة لجسده: 1. الخلق من تراب (المادة الأولى الأصلية): المفهوم: التراب هو المادة اليابسة المتفتتة من أصل الأرض قبل أن يخالطها الماء. المرحلة في التكوين: يمثل التراب المرحلة الأولى والأصل الجوهري للمادة، فهو العنصر الخام الأول الذي جُمع من الأرض. السياق القرآني: يُذكر التراب غالباً في معرض التذكير بأصل النشأة، ودلالة على قدرة الله في إخراج الحياة الحية من مادة جمادية ميتة، كما في قوله تعالى: “إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ” (آل عمران 59). 2. الخلق من طين (مرحلة امتزاج التراب بالماء): المفهوم: الطين هو التراب عندما يُخلط بالماء فيصبح مادة متماسكة وقابلة للتشكيل والتشكّل. المرحلة في التكوين: يمثل الطين المرحلة الثانية، حيث مزج الخالق التراب بالماء لتبدأ عملية التسوية والتصوير. السياق القرآني: يُذكر الطين عند الحديث عن بداية التشكيل وتخليق أطوار الجسد الإنساني، كما في قوله تعالى: “الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ” (السجدة 7). التسلسل التكاملي لأطوار خلق آدم في القرآن: تظهر الدقة اللغوية والتدرج التكويني في القرآن عند تتبع الألفاظ الواردة في خلق آدم بترتيبها الفيزيائي: التراب: المادة الأساسية اليابسة (أصل الأرض). الطين: خلط التراب بالماء “خَلَقَكُم مِّن طِينٍ”. الطين اللازب: الطين اللزج المتماسك والمترابط الذي يعلق باليد (“إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍ” (الصافات 11)). الحمأ المسنون: الطين المتغير مع مرور الوقت والمتروك ليتحول شكله ورائحته (“وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ” (الحجر 26)). الصلصال كالفخار: الطين المجفف الذي إذا نُقر عليه صلَّ (أصدر صوتاً) من شدة الجفاف قبل أن تُنفخ فيه الروح (“خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ” (الرحمن 14)). الخلاصة: الفرق بينهما فرق تدرج ومرحلة، فالتراب هو المادة الأصلية المجردة، بينما الطين هو تلك المادة ذاتها بعد إضافة الماء إليها للبدء في تشكيل الخلقة الإنسانية.