أكتوبر 20, 2026
4

رياض سعد

ثمة رحيل لا يُطوى بخبر وفاة، ولا يُختصر بعبارات العزاء؛ لأنه يترك وراءه فراغًا في ضمير المهنة، ووجعًا في ذاكرة الذين عرفوا صاحبه، ولو لم تجمعهم به لقاءات مباشرة.

هكذا كان خبر رحيل الصحفي البصراوي عبد الحسين عبد الرزاق؛ خبرًا حزينًا توّج رحلة طويلة من الألم والمرض والمعاناة، عاشها رجل ظل يكافح على جبهات متعددة، حتى حين أثقل الوجع جسده وضاقت به سبل العيش.

لم ألتقِ أبا علي وجهًا لوجه، لكن الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي أتاحت لي التواصل معه، فوجدته قارئًا واعيًا، ومثقفًا موسوعيًا، وعقلًا متوقدًا، وإنسانًا متواضعًا لا تتعالى معرفته على الآخرين… ؛ وقد أدركت من خلال أحاديثنا أن الصحافة عنده لم تكن مجرد مهنة لكسب العيش، بل مسؤولية أخلاقية وموقفًا من الحياة، وانحيازًا للناس الذين لا يجدون من يحمل أصواتهم.

كان عبد الحسين يكافح على جبهات شتى؛ مدافعًا عن حقوق المواطنين العراقيين من ذوي البشرة السمراء، ومطالبًا بإنصاف الصحفيين وصيانة حقوقهم وكرامتهم، ومواجهًا الفساد والمحسوبيات، في بلد كثيرًا ما يُرهق فيه أصحاب المواقف المستقلة، ويُترك فيه أصحاب الكفاءة لمواجهة مصائرهم وحدهم… ؛  لقد كان، بحق، صوت الأرض؛ صوت المهمّشين والمحرومين، وصوت الإنسان الذي لا يريد أكثر من حقه وكرامته.

وما يزيد رحيله إيلامًا أن الرجل الذي انشغل بقضايا الآخرين، وحمل هموم الناس في كتاباته ومواقفه، عانى هو نفسه الإهمال وضيق ذات اليد، بعد سنوات من الاستلاب المهني والمعاناة الإنسانية والاجتماعية، في ظروف ارتبطت، بحسب ما نُقل عن محيطه، باستقلاله السياسي ومواقفه المهنية.. ,  إنها مفارقة موجعة أن يظل المدافع عن حقوق الناس محتاجًا إلى من يدافع عن حقه في حياة كريمة، وأن ينتهي مشوار الصحفي الذي يرفع صوته في وجه التجاوزات بمثل هذا القدر من الألم.

برحيل أبي علي، لا نفقد صحفيًا بصراويًا فحسب، بل نفقد عقلًا مثقفًا، وإنسانًا متواضعًا، وصاحب موقف لم يتخلَّ عن انشغاله بقضايا الناس.. , وستبقى قيمة المرء فيما تركه من أثر، وفي الأسئلة التي يوقظها رحيله عن واقع الصحافة، وحقوق العاملين فيها، ومصير أصحاب الكلمة المستقلة.

رحم الله الزميل عبد الحسين عبد الرزاق، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أسرته الكريمة وأصدقاءه ومحبيه والأسرة الصحفية العراقية جميل الصبر والسلوان.

وداعًا أبا علي… لقد غادرتنا، لكن صوت الأرض الذي حملته لن يموت برحيلك.