أكتوبر 20, 2026
رياض سعد

رياض سعد

 مقدمة: حين تتحول المأساة التاريخية إلى تهمة جماعية

لم تكن مأساة الإمام الحسين بن علي، في العاشر من محرّم سنة 61هـ، واقعةً عابرةً في التاريخ الإسلامي، بل كانت لحظةً كاشفةً عن الصراع بين السلطة والضمير، وبين الخوف والوفاء، وبين المصالح السياسية والقيم الدينية والأخلاقية.. ,  غير أن المأساة، على الرغم من وضوح المسؤولية المباشرة عن قتل الحسين وأصحابه، تحولت في مراحل لاحقة إلى مدخل لتوجيه اتهامات واسعة إلى أهل الكوفة، ثم إلى شيعة العراق عمومًا، وكأن جماعةً دينيةً كاملةً تتحمل مسؤولية كل ما ارتكبه أفراد أو قبائل أو أجهزة حكم غريبة في ظرف تاريخي شديد التعقيد.

ومن هنا تبرز ضرورة التمييز بين أهل العراق بوصفهم مجتمعًا متعدد الانتماءات، وأهل الكوفة بوصفهم جماعةً حضريةً وقبليةً وسياسيةً متباينة المصالح، وبين الشيعة الذين والوا أهل البيت واتخذوا من محبتهم والاقتداء بهم أساسًا دينيًا وأخلاقيًا، وبين الذين رفعوا شعارات نصرتهم ثم تراجعوا تحت ضغط السلطة أو الخوف أو المصالح، وبين الذين شاركوا بالفعل في قتال الإمام الحسين .

إن الدفاع عن شيعة العراق لا يعني إنكار الوقائع المؤلمة التي ارتبطت بالكوفة، ولا تبرئة كل من خذل الحسين أو تواطأ على قتله، وإنما يعني رفض تحويل الخيانة السياسية إلى صفة وراثية، أو تحميل الأجيال اللاحقة ذنبًا جماعيًا لم ترتكبه.. ,  كما يعني إعادة قراءة التاريخ في ضوء موازين القوى، وسياسات القمع، والتركيب القبلي والاجتماعي، ومواقف الأفراد والجماعات، بدل الاكتفاء بالروايات الجدلية التي تختزل المأساة في عبارة: «أهل الكوفة خذلوا الحسين».

 أولًا: الكوفة وتكوينها التاريخي والاجتماعي

تأسست الكوفة سنة 17هـ/638م تقريبًا، في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، بأمر من سعد بن أبي وقاص، لتكون مركزًا عسكريًا وإداريًا للجند المسلمين، ثم تحولت تدريجيًا إلى مدينة ذات ثقل سياسي وديني وثقافي.. ,  ولم تكن الكوفة، منذ نشأتها، مدينةً تنتمي إلى قبيلة واحدة أو جماعة متجانسة، بل استقرت فيها بطون وقبائل قدمت من مناطق متعددة من شبه الجزيرة العربية، إلى جانب تطور صلاتها بسكان العراق ومناطقه الزراعية والحضرية.. ,  وقد جعلها هذا التكوين المتعدد مجالًا لتفاعل المصالح القبلية والاجتماعية والسياسية، ولظهور اتجاهات دينية وفكرية متباينة. [1]

ومن الخطأ، من منظور أنثروبولوجي واجتماعي، التعامل مع الكوفة كما لو كانت كتلةً بشريةً واحدةً تتفق في الرأي والولاء والسلوك.. ,  فالمدينة التي تضم القبائل المختلفة، وأصحاب المصالح الاقتصادية، والجنود، والقراء، والوجهاء، والموالي، لا يمكن تفسير مواقفها السياسية بردّها إلى هوية واحدة.. ,  وقد تتجاور فيها المحبة الدينية والولاءات القبلية، كما قد يتعايش فيها الإيمان بمبادئ العدالة مع الخوف من السلطة أو الرغبة في المحافظة على الامتيازات.

وقد ازدادت مكانة الكوفة في عهد الإمام علي بن أبي طالب، حين اتخذها عاصمةً لخلافته، فأصبحت مركزًا رئيسًا للموالين له وللتيارات التي رأت فيه الامتداد الأحق لنهج النبي محمد، ومع ذلك، لم يكن سكانها جميعًا على موقف واحد؛ فقد تباينت مواقف الزعماء والقبائل، وانقسمت الاتجاهات السياسية، وظهرت فيها معارضة للإمام علي نفسه، كما انشق بعض أنصاره عنه في أحداث لاحقة. [1]

وهذه الحقيقة لا تنتقص من مكانة الكوفة في تاريخ التشيع، بل تساعد على فهمها: فقد كانت المدينة مركزًا مبكرًا للولاء العلوي، لكنها كانت أيضًا ساحةً لصراع المصالح والسلطات، وهو ما جعلها عرضةً للتقلبات السياسية والقمع الذي مارسته الدولة الأموية.

ومن الضروري هنا التمييز بين نشأة الكوفة بوصفها مدينةً عسكريةً استوطنها مهاجرون من قبائل متعددة، وبين تشكّل التشيع فيها بوصفه اتجاهًا دينيًا وسياسيًا تطور عبر مراحل تاريخية.. ,  فلا يصح اختزال التشيع في لحظة تأسيس المدينة، ولا الادعاء بأن جميع سكانها كانوا شيعةً منذ البداية، كما لا يصح تجاهل المكانة التي اكتسبتها في الولاء لأهل البيت وبني هاشم خلال العقود التالية.

 ثانيًا: شيعة العراق وسياسات القمع في العصر الأموي

لا يمكن فهم مواقف أهل الكوفة في عهد الإمام الحسين، بمعزل عن السياسات التي سبقت واقعة كربلاء، ولا عن أثر الولاة الأمويين في تفكيك القوى المعارضة وترهيب السكان لاسيما الاغلبية الشيعية منهم .

لقد ارتبط اسم زياد بن أبيه، الذي تولى البصرة والكوفة في العهد الأموي، بمرحلة من التشدد الأمني والسياسي تجاه المعارضين، ولا سيما الموالين للإمام علي بن أبي طالب.. ,  وتذكر المصادر التاريخية أخبارًا عن ملاحقة شخصيات علوية، والتضييق على أنصارها، واستخدام العقوبات والتهديد لإخضاع القبائل والوجهاء.. ,  فضلا عن سياسات القتل والسجن ومنع العطاء والاغتيال والتهجير القسري … ؛  وكان من نتائج هذه السياسات أن أصبح إظهار الولاء العلوي في بعض الظروف محفوفًا بالمخاطر، مما اضطر بعض الناس إلى إخفاء مواقفهم أو الانسحاب من العمل السياسي العلني.

وتورد بعض الروايات أخبارًا عن نقل أعداد كبيرة من أهل الكوفة إلى خراسان في عهد زياد، وتشيع في بعض الكتابات والمصادر التاريخية معلومات تتحدث عن خمسين ألف أسرة مهجرة .

أما عبيد الله بن زياد، الذي تولى الكوفة في عهد يزيد بن معاوية، فقد ارتبط اسمه مباشرةً بإجراءات قمعية استهدفت حركة مسلم بن عقيل، سفير الإمام الحسين إلى أهل العراق، وبالقبض على عدد من أنصار الحسين وإعدام مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة.. ,  وتذكر المصادر أن عبيد الله استخدم نفوذ الدولة والتهديد واستمالة رؤساء القبائل لضمان عدم تحرك الكوفة لنصرة الحسين، ثم أرسل القوات التي انتهت بمواجهة كربلاء. [2]

وهنا ينبغي أن نتوقف عند حقيقة أساسية: حين تفرض السلطة عقوبات قاسية على المعارضة، وتعتقل قادتها، وتراقب تحركاتها، وتضغط على زعماء القبائل، فإن عدم المشاركة في التمرد لا يعني بالضرورة الاقتناع بالسلطة، كما أن الصمت لا يثبت الرضا، والغياب عن ساحة المعركة لا يثبت وحده التخلي العقائدي.

لقد كان بعض أهل الكوفة من أنصار أهل البيت، لكن القدرة على تحويل الولاء الديني إلى فعل سياسي منظم لم تكن متاحة للجميع بالدرجة نفسها.. ,  وبين الموقف العقائدي والقدرة على الفعل مسافة تصنعها السلطة والسلاح والخوف والمصالح الاجتماعية والتعقيدات السياسية .

ومن هنا، فإن تصوير القمع الأموي بوصفه مجرد خلاف إداري أو تنافس على الحكم يغفل جانبًا مهمًا من تاريخ التشيع المبكر؛ إذ أسهمت ملاحقة المعارضين في تحويل الولاء العلوي، في بعض البيئات، إلى هوية تتعرض للضغط والإقصاء، وفي جعل النصرة العلنية قرارًا قد تترتب عليه عواقب خطيرة على الفرد وأسرته وقبيلته.

 ثالثًا: هل كان شيعة العراق هم الذين قاتلوا الإمام الحسين؟

إن السؤال عن هوية الذين قاتلوا الإمام الحسين، ينبغي أن يُطرح على أساس المصادر التاريخية، لا على أساس الرغبة في إدانة جماعة بأكملها أو تبرئتها مسبقًا.

تذكر المصادر أن الجيش الذي واجه الحسين في كربلاء كان قوةً ايرانية أرسلها عبيد الله بن زياد، وارتبطت قيادتها الميدانية بعمر بن سعد، وأن عددًا من المقاتلين كانوا من أهل الكوفة أو من القبائل المرتبطة بالسلطة الاموية من غير الشيعة .. ؛ فأغلب المقاتلين قدموا من الحجاز ونجد والشام واليمن ،و إن المقاتلين الكوفيين كانوا جميعًا من غير الشيعة ؛ الا ما شذ وندر … ؛  كما أن أعداد الرؤوس التي حُملت بعد المعركة، حتى عندما ترد في الروايات، لا تكفي وحدها لإثبات عدد القبائل أو تحديد الهوية المذهبية لكل مقاتل.

وهذه المعلومات تكشف الفارق الجوهري بين المجتمع الكوفي بأغلبيته الشيعية وبين القوة العسكرية التي حشدتها السلطة الاموية .. ,  فليس كل كوفي جنديًا في جيش عمر بن سعد، وليس كل من أُدرج اسمه ضمن قبيلة مشاركة ممثلًا لجميع أفرادها، ولا يجوز مساواة المجتمع كله بالسلطة التي سخّرت بعض أبنائه لقتال الحسين.

وفي الوقت نفسه، لا يصح إعفاء كل من شارك في القتال من المسؤولية لمجرد انتسابه إلى الكوفة ,  فالمعيار الأخلاقي هو الفعل والموقف، لا الاسم ولا الانتساب القبلي.. ,  فمن قاتل الحسين أو أعان على قتله يتحمل مسؤوليته بقدر ما تثبته الأخبار، ومن رفض المشاركة أو عجز عنها أو حاول النصرة ولم يتمكن، فله وضع تاريخي وأخلاقي مختلف.. , وهذه التفرقة هي المدخل الصحيح لفهم المأساة: المسؤولية عن الدم لا تُوزَّع على جماعة دينية بأكملها، كما لا يجوز محو مسؤولية المشاركين الفعليين بذريعة الدفاع عن هوية جماعية.

 رابعًا: الحمراء في الكوفة: الموالي ذوو الأصول الإيرانية بين التكوين العسكري والصراع الأموي وواقعة كربلاء

تُطلق تسمية «الحمراء» أو «حمراء ديلم» في عدد من المصادر التاريخية على جماعة من الموالي الذين استقروا في الكوفة بعد الفتح الإسلامي، وترجع أصول المجموعة التي ارتبطت بهذه التسمية إلى جنود كانوا ضمن جيش رستم في معركة القادسية، ثم عقدوا الأمان مع المسلمين، واختاروا الإقامة في العراق والتحالف مع قبيلة بني تميم.. ,  ويذكر البلاذري في (فتوح البلدان) أن عددهم كان أربعة آلاف، وأن لهم نقيبًا يُدعى ديلم، ومن هنا جاءت تسمية «حمراء ديلم».. ,  كما ترد أخبار قريبة من ذلك في المصادر التي تناولت تكوين المجتمع الكوفي. [3]

وقد ارتبطت تسمية «الحمراء» في بعض الاستعمالات بلون البشرة، ثم اتسع استعمالها في سياقات تاريخية مختلفة للإشارة إلى جماعات من الموالي والأعاجم وغيرهم .. ,  ولذلك لا يصح افتراض أن كل من وُصف بالحمراء في المصادر ينتمي بالضرورة إلى جماعة واحدة متجانسة من الناحية العرقية أو اللغوية؛ غير أن جماعة «حمراء ديلم» التي تتناولها هذه الأخبار ترتبط، وفق الرواية المذكورة، بأصول إيرانية وبخلفية عسكرية سابقة في الجيش الساساني. [3][4]

ومع استقرار هذه الجماعة في الكوفة، أصبحت جزءًا من تركيبها الاجتماعي والعسكري، ودخل أفرادها في علاقات التحالف والولاء مع القبائل العربية.. ,  ويذكر البلاذري أن زياد بن أبيه نقل بعضهم إلى بلاد الشام بأمر معاوية، كما نقل جماعات منهم إلى البصرة.. ,  وتكشف هذه الأخبار عن أن الموالي لم يكونوا مجرد جماعة سكانية هامشية، بل كانوا جزءًا من التحولات السكانية والسياسية والعسكرية التي شهدها العراق في العقود الأولى من العصر الإسلامي. [3]

أما الأرقام المتعلقة بأعدادهم، فينبغي التعامل معها بحذر؛ إذ تذكر بعض الكتابات أن عدد الحمراء أو الموالي من ذوي الأصول الإيرانية في الكوفة ارتفع في مراحل لاحقة، وتورد تقديرات تصل إلى عشرين ألفًا في عهد معاوية.. ,  لكن هذا الرقم لا يجوز دمجه مع عدد الجنود الذين ارتبطوا بتسمية «حمراء ديلم» عند استقرارهم الأول في الكوفة، ولا اعتباره دليلًا على أن عشرين ألف مقاتل كانوا جميعًا أفرادًا في جهاز أمني واحد. [4]

# الحمراء وحملة عمر بن سعد على كربلاء

تتضح الصلة بين التكوين العسكري للكوفة وواقعة كربلاء في الرواية التي أوردها الطبري عن خروج عمر بن سعد سنة 61هـ.. ؛  فقد كان عبيد الله بن زياد قد كلّفه بالسير في أربعة آلاف من أهل الكوفة إلى منطقة دستبى الايرانية ، لاستعادتها بعد أن غلبت عليها الديلم.. ,  وكان عمر بن سعد يأمل في تولي الري، فخرج بجيشه وعسكر في حمّام أعين.. ,  وعندما بلغه قدوم الإمام الحسين، إلى العراق، استدعاه ابن زياد، وأمره بالتوجه إلى الحسين، ووعده بأن يتولى عمله بعد انتهاء المواجهة.. ,  وحين حاول عمر بن سعد الاعتذار، طالبه ابن زياد

بردّ عهده، فوجد نفسه أمام الاختيار بين التخلي عن طموحه السياسي وبين تنفيذ الأمر.. ؛  وانتهى به الأمر إلى قيادة القوة التي توجهت إلى كربلاء. [5]

وهذه الرواية مهمة لفهم كيفية توظيف القوة العسكرية الموجودة في الكوفة في الصراع السياسي؛ فالقوة الايرانية التي كان من المقرر إرسالها لمواجهة الديلم تحولت، بأمر الوالي الأموي، إلى قوة تتجه لقتال الإمام الحسين.. ,  ويذكر الطبري أن عمر بن سعد قدم إلى كربلاء في أربعة آلاف مقاتل من الايرانيين ، وهو العدد الذي ارتبط في الرواية بجيشه عند خروجه الأول، وليس دليلًا على أن مجموع الجيش الذي شارك في أحداث كربلاء ظل ثابتًا عند هذا الرقم؛ إذ تذكر المصادر وصول قوات وتعزيزات أخرى في مراحل لاحقة. [5][6]

ومن الضروري هنا التمييز بين هذه القوة العسكرية وبين الحمراء بوصفهم جماعة من الموالي؛ فالرواية التي تتحدث عن أربعة آلاف من أهل الكوفة  تقول إن هؤلاء جميعًا كانوا من الحمراء، ولكن هذا لا يعني ان كل حمراء الكوفة قد شاركوا بالقتال ضد الامام الحسين .  

# الحمراء وأجهزة السلطة في الكوفة

كان حكم زياد بن أبيه وعبيد الله بن زياد قائمًا على إحكام السيطرة على الكوفة، ومراقبة التحركات المعارضة، والاستعانة بالولاة والشرطة ورؤساء القبائل وأصحاب النفوذ لضبط السكان.. ,  وقد كان أنصار الإمام علي وأهل البيت من بين الفئات التي تعرضت للملاحقة والتضييق في مراحل مختلفة من الحكم الأموي.. ,  وتساعد دراسة التركيب الاجتماعي والعسكري للمدينة على فهم الوسائل التي استخدمتها السلطة في مواجهة المعارضة.

غير أن القول إن الحمراء جميعًا كانوا شرطة عبيد الله بن زياد وعيونه على العراقيين، أو إنهم كانوا جميعًا مكلفين بمراقبة الشيعة تحديدًا، يحتاج إلى نصوص تاريخية صريحة تثبت ذلك.. ,  فوجود جماعة من الموالي في الجيش أو أجهزة الدولة لا يعني أن جميع أفرادها أدوا وظيفة أمنية واحدة، ولا أن انتماءهم العرقي يحدد موقفهم الديني والسياسي.. ,  كما لا يصح افتراض أن جميع أفراد الحمراء كانوا معادين لأهل البيت، أو أن جميعهم شاركوا في قتل الحسين .

إن المسألة الأهم تاريخيًا ليست تحميل جماعة ذات أصول إيرانية مسؤولية واقعة كربلاء، بل تحديد المسؤوليات السياسية والعسكرية للأشخاص الذين أصدروا الأوامر، والذين نفذوها، والذين شاركوا في الحصار والقتال.. ,  فعبيد الله بن زياد هو الذي أمر عمر بن سعد بالتوجه إلى الحسين، وعمر بن سعد هو الذي قاد القوة  الايرانية ( الحمراء ) فضلا عن بقية القوات التي وصلت إلى كربلاء، بينما تتطلب معرفة التركيب التفصيلي للجيش دراسة الروايات التي تسمي القادة والقبائل والمجاميع المشاركة، بدل الاكتفاء بتصنيف عرقي عام.

وبذلك، تقدم أخبار الحمراء جانبًا من تاريخ الكوفة بوصفها مدينة عسكرية متعددة الأصول والانتماءات، وتوضح كيف تداخلت فيها الروابط القبلية مع الولاءات السياسية والعلاقات الاقتصادية والعسكرية.. ,  لكنها لا تكفي، بمفردها، لإثبات أن الحمراء كانوا القوة الأساسية التي قاتلت الحسين، أو أنهم كانوا جميعًا من شرطة ابن زياد، أو أن أصولهم وحدها تفسر مواقفهم في الصراع الأموي العلوي.

خامسًا : ماذا تقول خطابات الإمام الحسين عن أهل العراق؟

تُظهر الروايات التاريخية أن الإمام الحسين، كان واعيًا لتباين مواقف أهل العراق، وأنه واجه خذلانًا حقيقيًا من الذين كتبوا إليه ثم لم يثبتوا على نصرتهم، أو ممن خضعوا للسلطة، أو شاركوا في حصاره وقتاله.. ,  غير أن خطابه لا يقدم أساسًا لتعميم تهمة النفاق على جميع أهل الكوفة، ولا لإلغاء حقيقة وجود موالين له بذلوا أنفسهم في سبيله.

ومن النصوص الواردة في هذا السياق قوله، بعد أن بلغه خبر مقتل مسلم بن عقيل، بحسب الرواية التي أوردها ابن الأثير: «قد خذلنا شيعتنا فمن أحبّ أن ينصرف فلينصرف ليس عليه منّا ذمام» –  ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج 4، ص 43- .

 وهذا النص، بصرف النظر عن اختلاف ألفاظه في النسخ والروايات، يدل على أن الإمام كان يميز بين من كانوا قد أظهروا النصرة ثم خذلوه، وبين الذين بقوا معه بعد انكشاف الموقف.. ,  كما أن إذنه لأصحابه بالانصراف يعكس إدراكه لخطورة المرحلة، وحرصه على ألا يبقى معه إلا من اختار البقاء عن وعي وإرادة.

وتذكر الروايات أن عبد الله بن مطيع سأل الحسين عن سبب قدومه، فأجاب: «كتب إليّ أهل العراق يدعونني الى أنفسهم» – إعلام الورى بأعلام الهدى، ص  231- .

كما جاء في رواية الطبري عن حواره مع قرة بن قيس الحنظلي: «كتب اليّ أهل مصركم هذا أن أقدم» –  الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ج 5، ص 402- .

و استعمال عبارة «أهل العراق» أو «أهل مصركم»  لا يدل على شيعة العراق فحسب ؛ حتى مع وجود شيعة بين الذين كتبوا إليه؛ فالتعبير العام قد يشمل جماعات مختلفة، وقد تكون الدعوة قد صدرت عن موالين له ؛ اودعوا سجون عبيد الله قبل مجيئه ، بينما لم يلتزم آخرون بها.. .

 وتذكر الرواية نفسها أن الحسين خطب في منطقة شراف قائلًا: «أيّها الناس فإنكم إن تتقوا الله وتعرفوا الحقّ لأهله يكن أرضى لكم ، و نحن أهل البيت أولى بولاية هذا الأمر من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم و السائرين فيكم بالجور و العدوان» – الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ج 5، ص 402- .

إن هذا الخطاب يكشف عن تقديم الحسين القضية في إطار الحق والعدل وولاية أهل البيت، لكنه لا يسمح وحده بالجزم بأن جميع المخاطبين كانوا من غير شيعته؛ فقد يكون الخطاب موجهًا إلى جماعة مختلطة، أو إلى أفراد لم يكن الإمام يعلم مواقفهم التفصيلية.

وتورد المصادر كذلك أن أربعة من أصحابه التحقوا به في عذيب الهجانات، فسألهم: «أخبروني خبر الناس» – ابن الأثير، *الكامل في التاريخ*، ج 4، ص 49- .

ولا يثبت هذا السؤال أن الإمام لم يكن يسأل عن شيعته أو لم يكن يعتقد بوجودهم، بل يعكس حاجته إلى معرفة أخبار الناس والأحداث المحيطة به في ظرف تتغير فيه المواقف بسرعة.

وفي رواية أخرى، ينقل عن الفرزدق قوله للحسين: «يا ابن رسول الله كيف تركن الى أهل الكوفة ، وهم الّذين قتلوا إبن عمّك مسلم بن عقيل وشيعته ؟»- المجلسي، بحار الأنوار، ج 44، ص 374- .

وتكتسب هذه الرواية أهميتها من التمييز بين أهل الكوفة بوصفهم مجتمعًا، وبين مسلم بن عقيل وشيعته بوصفهم جماعةً تعرضت للقتل.. ,  لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن كل أهل الكوفة كانوا من غير الشيعة، وإنما تُظهر أن الرواية نفسها تتحدث عن أهل الكوفة بوصفهم فئةً واسعة، وعن مسلم وأتباعه بوصفهم جماعةً متميزة داخل المشهد… ؛ فقد وضعتَ الشيعة في كفّة، وجعلتَ بقية سكان الكوفة، من الحمراء ذوي الأصول الإيرانية، والشاميين، ومرتزقة بني أمية وأتباعهم، في كفّة أخرى.

أما خطبة الحسين في يوم عاشوراء، كما وردت في (إعلام الورى بأعلام الهدى / ص 237)، فتقول: «أيها الناس …أمّا بعد فانسبوني و انظروا من أنا ثم ارجعوا الى أنفسكم وعاتبوها فانظروا هل يصلح لكم قتلي و إنتهاك حرمتي ؟ ألست إبن بنت نبيّكم و ابن وصيه و ابن عمه و أول المصدّقين لرسول الله … أو ليس حمزة سيد الشهداء عمّ أبي ؟ أو ليس جعفر الطيار بجنا حين عمّي ؟ أولم يبلغكم ما قال رسول الله لي ولأخي : ” هذان سيّدا شباب أهل الجنة ” … فوالله ما تعمدت كذباً منذ علمت أنّ الله تعالى يمقته».

إن هذا الخطاب يستند إلى النسب النبوي والفضائل المعروفة للحسين وأهل بيته، ويستنهض الضمير الديني والأخلاقي لدى مخاطبيه.. ,  و يصح الجزم بأن الحسين لم يكن بين مخاطبيه أحد من شيعته ؛ فالخطبة موجهة إلى الجيش الاموي الهجين الذي يقف أمامه .

ومن ثم، فإن القيمة التاريخية لهذه النصوص لا تكمن في استخدامها لنفي وجود الشيعة بين أهل الكوفة أو في الجيش، بل في قراءتها قراءةً تكشف عن تعدد المواقف، وعن استناد الحسين إلى الحق والقرابة النبوية والعدل، وعن محاولته إيقاظ ضمائر الذين وقفوا في مواجهته.

 سادسًا: «يا شيعة آل أبي سفيان»؛ سياق العبارة ودلالتها

من العبارات التي تستوقف الباحثين في خطاب كربلاء قول الإمام الحسين، مخاطبًا الجيش: «يا شيعة آل أبي سفيان».

ولا تُقرأ هذه العبارة في سياق التوبيخ والاحتجاج على الذين كانوا يقفون في مواجهته، بل بوصفها تعريفًا مذهبيًا محددًا لكل فرد في الجيش الاموي .. ؛  فاللفظ هنا يحمل دلالة الولاء السياسي والديني والاصطفاف العملي مع السلطة التي يقودها يزيد بن معاوية، ويكشف عن مفارقة أن يقف أناس في صف الحكم الأموي ضد ابن بنت رسول الله.

 سابعًا: بين التشيّع والخذلان؛ ضرورة التمييز بين العقيدة والسلوك

إن من أكثر الأخطاء شيوعًا في تناول واقعة كربلاء الخلط بين ثلاثة أمور: التشيّع بوصفه ولاءً دينيًا وفكريًا لأهل البيت، والنصرة بوصفها موقفًا عمليًا في ظرف سياسي محدد، والاشتراك في القتال بوصفه فعلًا له مسؤولية مباشرة.

فقد يكون الإنسان محبًا للإمام علي والحسين، لكنه يفتقر إلى الشجاعة أو القدرة على مقاومة السلطة.. ,  وقد يعلن الولاء ثم يتراجع خوفًا على نفسه أو أسرته.. ,  وقد يتخلى شخص عن موقفه تحت ضغط قبيلته أو رئيسه أو صاحب النفوذ.. ,  وقد يختار آخر الانحياز إلى السلطة طلبًا للمال أو الجاه.. ,  وفي المقابل، قد يثبت فرد على موقفه حتى الموت، كما فعل أصحاب الحسين واتباعه , وشيعته حتى بعد موته .

هذه الفوارق لا تبرر الخذلان، لكنها تمنعنا من اختزال الظاهرة في تفسير واحد.. , فالجبن ليس هو الخيانة المتعمدة، والعجز ليس هو المشاركة في القتل، والتردد ليس هو بالضرورة إنكار العقيدة، وإن كانت هذه المواقف جميعًا قابلةً للنقد الأخلاقي بحسب ظروفها ونتائجها.

ومن المنظور الاجتماعي، تتأثر الجماعات الواقعة تحت سلطة قمعية بموازين القوة، وبالاعتماد الاقتصادي على الدولة، وبنفوذ الوجهاء، وبالخوف من العقوبات الجماعية.. ,  وحين تتعرض القيادات المعارضة للاعتقال أو القتل، قد تتراجع قدرة المجتمع على التنظيم والتحرك، حتى لو بقيت فيه قناعات معارضة.

وعليه، فإن عبارة «أهل الكوفة خذلوا الحسين» تحتاج إلى تفصيل: من الذين كتبوا إليه ثم تراجعوا؟ ومن الذين شاركوا في قتاله؟ ومن الذين أُكرهوا أو مُنعوا من الوصول إليه؟ ومن الذين ثبتوا معه؟ ومن الذين ندموا لاحقًا على موقفهم؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تتيح كتابة تاريخ أكثر إنصافًا، لا إطلاق حكم واحد على مدينة بأكملها.

ثامنا: التوابون والمختار؛ هل انتهى الولاء العلوي بمقتل الحسين؟

من الأدلة التاريخية المهمة على أن واقعة كربلاء لم تُنهِ الولاء لأهل البيت في العراق، ظهور حركة التوابين التي قادها سليمان بن صرد الخزاعي، ثم حركة المختار الثقفي، في السنوات التي أعقبت مقتل الحسين.

فقد تحرك التوابون بدافع الندم على عدم نصرة الحسين، وخاضوا مواجهة عسكرية مع الأمويين سنة 65هـ تقريبًا.. ,  وتذكر المصادر التاريخية أن عددًا كبيرًا منهم قُتل في تلك المواجهة، وأن حركتهم مثّلت تعبيرًا عن شعور بالمسؤولية الدينية والأخلاقية تجاه ما جرى في كربلاء.. كما ارتبطت حركة المختار بملاحقة عدد من المتهمين بالمشاركة في قتل الحسين وأصحابه. [1]

ولا ينبغي تحويل حركة التوابين إلى شهادة ببراءة كل أهل الكوفة؛ بل ببراءة شيعته , وتحميل الاخرين من الامويين ومن لف لفهم مسؤولية قتل الامام الحسين .

بل إن الندم نفسه يكشف عن صراع داخلي بين المبادئ الحقيقية والمواقف والظروف القاهرة ، وعن استمرار الذاكرة الحسينية في الوجدان السياسي والديني العراقي.. ؛  فلو كانت الكوفة كلها قد تخلت عن الحسين بمعنى التخلي العقائدي المطلق، لما أمكن تفسير الحركات التي نشأت فيها لاحقًا للمطالبة بدمه ومحاسبة المتهمين بقتله.

وتبقى هذه الحركات، مع ذلك، جزءًا من تاريخ مركب، ينبغي دراسته في سياقه السياسي والاجتماعي، لا توظيفه لإدانة أمة كاملة  أو لتبرئة طائفة بصورة مطلقة.

 تاسعًا: من الذاكرة التاريخية إلى الهوية الشيعية العراقية

تطورت الهوية الشيعية العراقية عبر قرون من التفاعل بين الولاء لأهل البيت، والتقاليد الدينية، والبيئات المحلية، والمؤسسات العلمية، والزيارات والمناسبات، والتجارب السياسية والاجتماعية التي مرت بها مناطق العراق المختلفة.

ولم تكن هذه الهوية مجرد امتداد آلي لواقعة كربلاء، وإن كانت كربلاء تمثل أحد أهم مكوناتها الرمزية.. ,  فقد أسهمت النجف والكوفة وكربلاء وسامراء والكاظمية، إلى جانب مدن ومناطق أخرى، في تشكيل فضاء ديني وثقافي تتداخل فيه المعرفة الفقهية والكلامية، والأدب والشعر، والطقوس الاجتماعية، والذاكرة العائلية، والتجربة التاريخية.

ومن منظور أنثروبولوجي، تتحول الأحداث الكبرى إلى ذاكرة جماعية من خلال المجالس والمراثي والزيارات والحكايات المتوارثة.. ,  وتصبح كربلاء، في الوجدان الشيعي العراقي، رمزًا لمقاومة الظلم، وللثبات على المبدأ، وللمفاضلة بين الحق والمصلحة.. , وهذه الرمزية لا تعني أن كل فرد من أفراد الجماعة يتصرف دائمًا وفق المثال الأخلاقي الذي تمثله، بل تعني أن الجماعة تستمد من تلك الذاكرة لغةً لفهم الظلم والعدالة والتضحية.

ولهذا، فإن اختزال شيعة العراق في اتهامات تاريخية تتعلق بالخذلان أو النفاق يتجاهل تاريخًا طويلًا من التفاعل مع تراث أهل البيت، كما يتجاهل التنوع الداخلي في المواقف السياسية والاجتماعية.. ,  فالهوية الدينية لا تُختزل في تصرفات مجموعة من الأفراد في لحظة تاريخية، مثلما لا تُختزل هوية أي مجتمع في أخطاء بعض أبنائه.

ومن المهم أيضًا ألا تتحول هذه الحجة إلى ادعاء تفوق أخلاقي مطلق لشيعة العراق على غيرهم؛ فالإنصاف التاريخي يقتضي الاعتراف بأن جميع المجتمعات تضم أنماطًا مختلفة من السلوك، وأن المعيار الأخلاقي ينبغي أن يُطبّق على الأفعال والأشخاص، لا على الانتماءات المذهبية. 

عاشراً: مسؤولية الحكام والرواة والخطاب المذهبي

إن دراسة الاتهامات التي وُجهت إلى شيعة العراق تستلزم التمييز بين ثلاثة مستويات: خطاب السلطة السياسية، وروايات المؤرخين، والتفسيرات المذهبية التي ظهرت في عصور لاحقة.

فقد استخدمت السلطات الأموية أدوات القوة لإخضاع المعارضين، وكانت مواقف بعض الشخصيات من أنصار الإمام علي وأهل البيت جزءًا من الصراع السياسي في ذلك العصر. فكل الاتهامات والشتائم التي طالت العراقيين والشيعة , والتي وردت في الروايات الاموية وتصريحات وخطب ولاتها وحكامها  ؛ كانت دعايات رسمية وسلطوية وطائفية مقصودة  ؛ ومن الامثلة على ذلك ما ورد عن زياد بن أبيه و عبيد الله بن زياد و الحجاج بن يوسف و عبد الله بن الزبير .

وكذلك، فإن وصف طائفة او امة  كاملة بالنفاق أو الخيانة لا يصبح حقيقةً تاريخيةً لمجرد وروده في خطاب خصم سياسي أو في رواية جدلية.. ,  فالمؤرخ مطالب بفحص الرواية، ومعرفة زمن تدوينها، ومقارنة طرق نقلها، والتمييز بين الخبر والتفسير والحكم الأخلاقي.

أما في الذاكرة المذهبية اللاحقة، فقد اتخذت كربلاء معاني متعددة؛ فهي عند الشيعة رمز للمظلومية والثبات، وفي الدراسات التاريخية الحديثة واقعةٌ ترتبط كذلك بأزمة انتقال السلطة، وبعلاقة المركز الأموي بالقبائل والمدن، وبحدود التعبئة السياسية في مجتمع تحكمه الروابط القبلية والامتيازات المالية وقتذاك .

ولا تعني هذه القراءة الاجتماعية نزع البعد الديني عن الواقعة، وإنما تعني توسيع فهمها، بحيث لا يبقى التفسير أسير الاتهام الجماعي أو التبرئة الجماعية.

 خاتمة: لا يُدان شعب كامل بجريمة ارتكبها أفراد

إن الدفاع عن شيعة العراق والعراقيين  يبدأ من قاعدة أخلاقية وتاريخية واضحة: لا يجوز تحميل جماعة دينية كاملة مسؤولية أفعال أشخاص محددين، كما لا يجوز إنكار مسؤولية الذين ثبت اشتراكهم في قتل الإمام الحسين أو في التمهيد لذلك القتل.

لقد كانت الكوفة مدينةً متعددة الاتجاهات والولاءات، شهدت حضورًا مبكرًا للولاء العلوي، كما شهدت تناقضات سياسية وقبلية واجتماعية.. ,  وقد واجه أنصار أهل البيت في العصر الأموي ضغوطًا قاسية، واعتُقل بعضهم وقُتل، بينما تراجع آخرون أو خذلوا الحسين، وشارك آخرون في مواجهته.. ,  وهذه الوقائع المتباينة لا يمكن جمعها في حكم واحد على أهل الكوفة، فضلًا عن أن تتحول إلى تهمة موروثة تُوجَّه إلى شيعة العراق  أو العراقيين عبر القرون.

إن الموقف المنصف لا يبرئ كل كوفي، ولا يدين كل كوفي، ولا يجعل من التشيّع صكًّا للبراءة من الخطأ، ولا يجعل من الخذلان صفةً ثابتةً في جماعة دينية… ؛  إنه يضع المسؤولية حيث ينبغي أن تكون: على الفاعل بقدر فعله، وعلى السلطة بقدر ما أصدرته من أوامر ومارسته من قمع، وعلى من تراجع عن نصرة الحق بقدر ما تكشفه الأدلة عن اختياره وظروفه.

ومن هنا، فإن ذاكرة كربلاء لا ينبغي أن تتحول إلى أداة للثأر المذهبي أو التشهير الجماعي، بل إلى معيار أخلاقي يُسأل فيه الإنسان عن موقفه من الظلم، بصرف النظر عن مذهبه وقوميته ونسبه.

فالحسين، لم يكن قضية قبيلة واحدة، ولا حكرًا على جماعة دون أخرى؛ لقد غدت مأساته في الذاكرة الإسلامية رمزًا للصراع بين السلطة والحق.. ,  أما شيعة العراق، فلا تُفهم هويتهم من خلال تهمة أطلقها خصم سياسي  وديني حاقد ، ولا من خلال خطأ ارتكبه بعض أبناء الكوفة، بل من خلال تاريخ طويل من التفاعل الديني والثقافي والاجتماعي مع تراث أهل البيت، ومن خلال أفعال أفرادهم ومجتمعاتهم في مختلف العصور.

إن الإنصاف للحسين يقتضي إدانة من قتله وخذله وفق ما تثبته الأدلة، والإنصاف للتاريخ يقتضي رفض تحويل الجريمة إلى ذنب جماعي، والإنصاف لشيعة العراق يقتضي النظر إليهم بوصفهم جماعةً تاريخيةً متنوعةً لا تختزلها واقعة واحدة ولا يحكم عليها خطاب خصومها.

……………………………………………..

1- Meir Litvak, “Kufa,” Encyclopaedia Iranica، في نشأة الكوفة وتكوينها الاجتماعي والسياسي، ومكانتها في الولاء العلوي، وحركة التوابين بعد واقعة كربلاء.

2- Jean Calmard, “Ebn Ziād, ʿObayd-Allāh,” Encyclopaedia Iranica، في دور عبيد الله بن زياد في قمع الحركة المؤيدة للحسين، واعتقال أنصاره، وإرسال الجيش الذي قاتله في كربلاء .

3- البلاذري، *فتوح البلدان*، أخبار استقرار حمراء ديلم في الكوفة، وتحالفهم مع زهرة بن حوية من بني تميم، وما أورده عن نقل بعضهم إلى الشام والبصرة.

4- «نبذة تاريخية عن الفرس حمراء الكوفة وتواجدهم في المدينة»، مادة بحثية تجمع أخبارًا من مصادر تاريخية مختلفة، وتورد تقديرات لأعداد الموالي في الكوفة.

5-الطبري، *تاريخ الرسل والملوك*، أخبار سنة 61هـ، خبر خروج عمر بن سعد في أربعة آلاف إلى دستبى، ثم أمر عبيد الله بن زياد له بالتوجه إلى الحسين.

6- الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ج 5، ص 402/  و ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج 4، ص 43، 49، 62،/ و الطبرسي، إعلام الورى بأعلام الهدى، ص 231، 237،/  و المجلسي، بحار الأنوار، ج 44، ص 374، / و الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج 3، ص 301.