
قيادة الدولة أم أمتلاك الدولة
كامل سلمان
الدولة التي يشعر قادتها بأنهم مالكون لها وليسوا خادمون لها ولم يكن في تفكيرهم أن مهمتهم تحديداً رفع شأنها بين الدول هي دولة فاشلة وقادتها فاشلون وشعبها مغلوب على أمره . هؤلاء القادة أو الحكام كان وصولهم للسلطة خطأ كبيراً ما كان ليحدث لولا جهالة وسذاجة وخوف شعب تلك الدولة وبالتالي فأن الخاسر الوحيد هم عامة الشعب أنفسهم الذين يعيشون الألم والحسرة وينظرون للشعارات التي يرفعها هؤلاء الحكام وهم مستسلمون لأفعالهم السيئة ، لم يأتي هؤلاء القادة إلى سدة الحكم بالصدفة بل خصوبة التربة في عقول الناس أهلتهم للصعود ، وسوء أفعالهم لم تخرج دفعة واحدة إنما ظهرت تدريجياً لأنهم بالأساس لم يأتوا لخدمة بلدانهم وشعوبهم وإنما جاءوا ليتسلطوا وليستحوذوا على كل شيء وكانوا مطمئنين بأن أعين الناس مغمضة فعملوا على المكر بأهلها ، يعملون ليلاً ونهاراً على ترسيخ أقدامهم في السلطة ليجعلوا كل شيء خاضعاً لمشيئتهم ، بدل أن يستثمروا جهودهم لأجل بلدانهم وبدل أن يجعلوا بلدانهم التي حاباها الله بأنواع النعم جنة في الأرض جعلوها جحيم لا يطاق يهرب خيرة أبناءها إلى ديار الغربة للنجاة بأنفسهم لذلك تتحول بلدانهم إلى بلدان متخلفة ضائعة تصرخ من نقص الخدمات ونقص فرص العمل و تجاوزات لحقوق الإنسان وغياب العدالة والفساد ، هذا حال بلداننا . للأسف مثل هذه الدول لا يمكن أن تكون دول صالحة للعيش البشري طالما مثل هؤلاء القادة والحكام يتحكمون بها وطالما شعوبها تفسر ذلك بأنه قدر إلهي ، بينما الدول التي يخاف قادتها من صرامة القانون ومن الصحافة الحرة ومحاسبة الشعب لهم تصبح هي الأرض الخصبة للنمو والازدهار والعيش الكريم ، الفارق في مفهوم قيادة الدولة ومفهوم امتلاك الدولة هو الفارق بين الحياة الكريمة والحياة التعيسة ، ففي الحالة الأولى عافية للمجتمع وفي الثانية سقم للمجتمع وهذا هو الفارق الذي جعل مجتمعاتنا في أدنى درجات التخلف مقارنة بالمجتمعات الأخرى وهو الفارق بين الدول المستقرة المتطورة ذات السيادة والدول التي تتنفس البقاء ولا تعرف معنى السيادة . دول كثيرة في العالم يتحول قادتها وحاشيتهم إلى مالكين للدولة وكل شيء فيها يتحول إلى ملك خاص بهم ، فعندما تتعرض هذه الدول إلى الخطر فأن أول من يدفع فاتورة الخطر هم الشعب الذي يصبح لا حول ولا قوة أمام شراسة حكامهم لذلك نرى هذه الحكومات المالكة لبلدانها تتحول بمرور الزمن إلى حكومات دموية . عند وجود الخطر الخارجي في ظنهم بأن الشعب سيتعاون مع المعتدي للتخلص منهم فيرفعون شعارات براقة مثل ( سنقاتل بآخر قطرة دم ) ويقصدون آخر قطرة دم من أبناء الشعب وشعارهم الآخر ( سنسلمها تراب لمن يريد أخذها بالقوة ) وشعارهم الذي يداعب مشاعر الناس ( الحفاظ على الكرامة ) والمقصود بكرامتهم أي كراسيهم لأن مفهوم الكرامة عندهم هي الكراسي . هذه هي حقيقة القيادات الأيديولوجية والقيادات الدكتاتورية والقيادات العسكرتارية عندما تستحوذ على السلطة تتحول إلى مالك للدولة فإذا أراد الشعب يوماً الحياة وخرج ضد القائد سيجد هذا الشعب رصاص البنادق بإنتظاره ويجد المعتقلات مأوى له لأن حياة الشعب وحرية الشعب تعني تهديداً لكرامة القيادة وتهديداً لأمنهم . مجنون من كان يظن بأن صدام حسين والقذافي وبشار الأسد وقادة الأحزاب والمليشيات وغيرهم سيتركون بلدانهم بسلام حين ازداد ضغط الشعب عليهم وزادت ردود افعال القوى العظمى ضدهم وحين انكشفت عوراتهم للعالم أجمع ولا يدرون حتى الساعات الأخيرة من حياتهم بأنهم لم يكونوا سوى قادة مخبولين . المشكلة ليست بسلوكيات هؤلاء القادة المعتوهين بل المشكلة بسلوكيات الناس المحرومين الذين سُحقت كرامتهم في ظل تلك الأنظمة يهتفون بالدفاع عن كرامة قياداتهم المتخلفة . لحد الأن شعوبنا ومجتمعاتنا لا تميز بين القائد الذي يخدم الدولة والقائد الذي ينتظر التضحية من الشعب لكرسيه ، الفارق جداً بسيط وهو أن القائد للدولة عندما يفشل يعترف بالفشل ويتنحى جانباً تاركاً المجال لمن هو أفضل منه يختاره الناس لأن مصلحة بقاء الوطن فوق كل شيء ، أما المالك للوطن فهو بإعتقاده لا يخطئ أبداً وإنما يحاسب الآخرين على الخطأ الذي هو يرتكبه ولا يتنحى إلا أن يتم سحقه . يتحدثون بالكرامة بينما كرامة الناس طوال فترات حكمهم مهانة ، ليس غريباً أن تنتهي دول عريقة وتبتلى بأنواع المشاكل بسبب حماقات قياداتها التي تظن نفسها بأنها قيادات حكيمة للبلد لكنها في الحقيقة سرطان داخل جسم البلد . وأخيراً لابد أن يأتي اليوم الذي يشعر فيه القادة والحكام بأن عملهم يستوجب خدمة بلدانهم لا التسلط عليها ، هذا الشيء كان في السابق حلماً بعيد المنال لكن اليوم موجات التغير تعم العالم بسرعة مذهلة بفضل تكنلوجيا الاتصالات والتواصل وهي التي ستفرض نفسها .