
زكريا نمر
يمكن لحاكم أن يفشل في إدارة بلاده، ويعجز عن توفير أبسط الخدمات لمواطنيه، ثم يخرج من الأزمة أقوى مما دخلها، لا لأنه أصلح ما أفسده، بل لأن خصومه انشغلوا بمهاجمته، وأنصاره انشغلوا بتبرير أخطائه. هذه ليست مفارقة عادي في السياسة الإفريقية إنها مشكلة تستحق أن نتوقف عندها طويلا كيف يتحول إخفاق الحاكم إلى معركة بين المواطنين، بينما ينجو المسؤول عن الإخفاق من المساءلة؟.وفي بعض بلدان إفريقيا، قد تجد مواطنا لا يستطيع الحصول على العلاج في مستشفى حكومي، لكنه مستعد للدخول في خصومة مع كل من ينتقد الحكومة. وقد تجد شابا عاطلا عن العمل يدافع عن سياسي لا يعرف ماذا سيفعل لتوفير الوظائف، لكنه يعرف جيدا كيف يهاجم خصومه. ليست المشكلة أن هؤلاء لا يرون معاناتهم، بل أن الانتماء السياسي أو القبلي قد يدفعهم أحيانا إلى التعامل مع الحقيقة بحسب هوية الشخص الذي يقولها، لا بحسب الأدلة التي يقدمها. تصبح السياسة عبئا على المجتمع بدلا من أن تكون وسيلة لإدارة شؤونه. فبدلا من أن يسأل المواطن عن أداء المسؤول، يبدأ في البحث عن مبررات له. وبدلا من أن يتحد أصحاب المصالح المشتركة للمطالبة بحقوقهم، ينقسمون إلى جماعات تتبادل الاتهامات. أما السياسي، فيجد نفسه أمام مجتمع يقضي وقتا أطول في الدفاع عنه أو مهاجمته من الوقت الذي يقضيه في فحص قراراته.لا يمكن تعميم هذه الصورة على إفريقيا كلها، فالقارة تضم تجارب سياسية مختلفة، ومجتمعات لها ظروفها وتاريخها الخاص. لكن في البلدان التي تضعف فيها المؤسسات الرقابية، وتضيق فيها مساحة المنافسة، وتختلط فيها المصالح العامة بالولاءات الشخصية، يصبح من السهل على بعض السياسيين استثمار الانتماءات الاجتماعية لتأمين مواقعهم.
حين يعجز المسؤول عن شرح أسباب ارتفاع الأسعار أو تراجع الخدمات أو فشل مشروع عام، يستطيع أن يفتح معركة أخرى لا علاقة مباشرة لها بالسؤال المطروح. يتهم المعارضة بأنها تريد إسقاط الدولة، أو يصور النقد باعتباره استهدافا لجماعته، أو يذكّر المواطنين بمخاطر الماضي حتى لا يطالبوه بحساب الحاضر. وقد تكون هناك بالفعل مؤامرات أو خصومات خارجية أو تحديات أمنية، لكن وجودها لا يمنح أي حكومة حقا مفتوحا في الإفلات من المساءلة.السياسي الذي لا يستطيع الفصل بين نقد أدائه والطعن في شخصه، يضع نفسه فوق الوظيفة التي يشغلها. فالمنصب العام ليس شهادة أخلاقية تمنح صاحبها حصانة، ولا يعني انتخاب المسؤول أن المواطن تنازل عن حقه في الاعتراض. التصويت تفويض محدد، وليس عقد ولاء أبدي، والانتخابات التي لا يستطيع الناس بعدها مراقبة حكومتهم تظل ناقصة مهما كان يوم الاقتراع منظما.و تظهر هذه المشكلة بوضوح عندما تتحول الأحزاب إلى تجمعات حول الزعماء، بدلا من أن تكون مؤسسات لها برامج وكوادر وقواعد داخلية. يصبح الخلاف مع رئيس الحزب سببا للإقصاء، وتُمنح المواقع لمن يضمن الولاء، بينما يتراجع أصحاب الكفاءة الذين يملكون رأيا مستقلا. ومع مرور الوقت، لا تعود المؤسسة قادرة على تصحيح أخطائها؛ لأن الاعتراف بالخطأ قد يهدد مكانة الزعيم، ولأن أعضاءها يتعلمون أن الصمت أكثر أمانا من قول الحقيقة.
وتدفع المجتمعات التي عانت الحروب ثمنا إضافيا لهذا النوع من السياسة. ففي جنوب السودان، مثلا، لا يمكن مناقشة بناء الدولة بمعزل عن آثار الحرب، وضعف المؤسسات، والانقسامات السياسية والاجتماعية. وفي السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية، تختلف الأسباب والتفاصيل، لكن تجارب الصراع تطرح أسئلة جدية حول حماية المدنيين، ومحاسبة المسؤولين، ومنع استخدام الخوف لتقييد النقاش العام. ليس من الإنصاف اختزال أزمات هذه البلدان في سوء نية السياسيين وحده، لكن ليس من المقبول أيضا أن تتحول صعوبة الظروف إلى إعفاء دائم لمن يتخذون القرارات.ومع ذلك، فإن توجيه النقد إلى النخب لا يعفينا من النظر في سلوك المجتمع نفسه. عندما يرفض شخص سماع أي انتقاد لسياسي ينتمي إلى جماعته، ثم يطالب بالشفافية عندما يتعلق الأمر بخصمه، فهو لا يدافع عن مبدأ؛ إنه يطبق معيارين بحسب المصلحة. وعندما يقبل الناخب المال أو الوعود الشخصية مقابل صوته، فإنه يساعد على تحويل الانتخابات من اختيار لبرنامج عام إلى صفقة مؤقتة. لكن هذه المسؤولية لا تساوي مسؤولية الحاكم؛ فالمواطن قد يتحرك تحت ضغط الحاجة والخوف، بينما يملك المسؤول أدوات أوسع لتغيير القواعد وتوزيع الموارد.لهذا لا يكفي أن نطالب المواطن بالوعي، ثم نتركه أمام مؤسسات لا توفر المعلومات، وأحزاب لا تسمح بالنقاش، وبيئة قد يتعرض فيها المنتقد للتهديد أو يفقد فرصته في العمل. الوعي السياسي يحتاج إلى ممارسة يومية: ميزانيات منشورة، وعقود حكومية قابلة للفحص، وبرلمانات تسأل الوزراء وتحاسبهم، وقضاء مستقل، وإعلام يستطيع التحقيق، وأحزاب تقبل تداول القيادة داخلها قبل أن تطالب بتداول السلطة في الدولة.
وينبغي أن تكون وعود المرشحين قابلة للقياس. من يتعهد بتطوير التعليم عليه أن يوضح الميزانية والجدول الزمني والنتائج المنتظرة. ومن يتحدث عن خلق فرص العمل عليه أن يقدم سياسة اقتصادية يمكن مناقشتها ومراجعة نتائجها. أما تكرار كلمات التنمية والاستقرار والوحدة من دون أرقام أو التزامات محددة، فلا يمنح المواطن أساسا حقيقيا للحكم على الأداء.وعلى الناخب أن يتعلم طرح أسئلة لا تجامل أحدا: ماذا أنجز هذا المسؤول؟ ما الذي أخفق فيه؟ هل نشر المعلومات التي تسمح بمراجعة عمله؟ هل يحترم خصومه وحقوقهم؟ وهل يقبل مغادرة منصبه إذا خسر الانتخابات؟ هذه الأسئلة أهم من الخطابات الحماسية، لأنها تنقل النقاش من شخصية السياسي إلى مسؤولياته الفعلية.المشكلة في السياسة ليست أن يكون للمواطن انتماء أو أن يؤيد حزبا بعينه؛ فمن حق الناس أن يختلفوا وأن ينظموا أنفسهم سياسيا. المشكلة تبدأ عندما يصبح الانتماء عذرا لتبرير الفساد، وعندما تُقاس وطنية الإنسان بمقدار دفاعه عن الحاكم، لا بمقدار احترامه لحقوق الآخرين. عندها يخسر المجتمع قدرته على الاتفاق على قواعد مشتركة، حتى حين يختلف في البرامج والمصالح.
لا تحتاج إفريقيا إلى مواطن يتخلى عن هويته، بل إلى مواطن لا يسمح لأي هوية بأن تنتزع منه حقه في الحكم على أداء السياسي. ولا تحتاج إلى معارضة ترفض كل ما تفعله الحكومة لمجرد أنها في السلطة، بل إلى منافسة تكشف الأخطاء وتقدم بدائل وتقبل الاحتكام إلى القانون. فالمعيار واحد على الجميع، وإلا تحولت مكافحة الفساد إلى سلاح حزبي، وتحولت الديمقراطية إلى اسم جميل لصراع لا يتغير فيه شيء سوى الأشخاص.السؤال الذي يستحق أن يسبق كل تصويت ليس من هو المرشح الأقرب إلينا، بل ما الذي سنفعله إذا أخفق بعد أن نمنحه السلطة؟ إذا لم نملك جوابا عن ذلك، فنحن لا نختار ممثلين لمصالحنا بقدر ما نمنح بعض الأفراد حق التصرف باسمنا من دون رقابة كافية. وحينها لا يكون الخلل في الحاكم وحده، بل في قواعد سياسية تسمح له بأن يطلب ثقة المواطنين مرة بعد أخرى، من دون أن يقدم حسابا واضحا عما فعل بتلك الثقة.
