
سلام عادل
من جبهةٍ جمعت المختلفين إلى ذاكرةٍ يختزلها فصيل
لم تبدأ المقاومة في منطقتنا من رايةٍ واحدة، ولا من محرابٍ واحد، ولم تكن يوماً حكراً على تيار، وقبل أن تصبح (المقاومة الإسلامية)، عنواناً واسع الحضور، كان في صفوفها يساريون وقوميون وديمقراطيون، فالمقاومة حكاية أجيالٍ التقت على مواجهة الاستعمار والصهيونية، قبل أن يتحول بعض الاختلاف بينها إلى صراعٍ على من يملك حق تمثيلها.
كتب / سلام عادل
في بغداد، خرج الناس عام 1928 للاحتجاج على زيارة اللورد ألفرد موند، الصناعي البريطاني وأحد أبرز الوجوه الصهيونية، وكان ذلك قبل عقود من بروز المقاومة الإسلامية بصورتها المعروفة اليوم، وفي عام 1946، أسس شيوعيون ومثقفون يهود عراقيون (عصبة مكافحة الصهيونية)، وميّزوا بين اليهودية والصهيونية، ودعوا إلى فلسطين حرة يتعايش فيها أبناؤها، لكن الدولة أغلقت صحيفتهم وحظرت نشاطهم واعتقلت أعضاءً منهم.
وفي الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، التحق يساريون وقوميون وديمقراطيون عراقيون بفصائل الثورة الفلسطينية، ومن بين الأسماء التي تحفظها الذاكرة حسين هادي علي العطار، المعروف بـ(ثائر علي)، ابن النجف الذي انضم إلى الجبهة الشعبية عام 1970، واعتُقل في كينيا وروما، وحُكم عليه بالسجن 145 عاماً، أمضى عشر سنوات قبل إطلاقه في صفقة تبادل عام 1985، وخلف الأسماء التي بقيت حاضرة، مئات العراقيين الذين تركوا شواهدهم في مقابر بيروت وعمّان ودمشق.
ومن ثم تبلور، بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، مسارٌ جديد عُرف بالمقاومة الإسلامية، واكتسب حضوراً ميدانياً واسعاً، خصوصاً في لبنان منذ الثمانينيات، وقدمت قواه تضحيات وأدواراً مؤثرة في مواجهة إسرائيل ومشاريع التطبيع، وهذا الاعتراف لا ينتقص من دورها؛ لكنه لا يمنحها حق محو من سبقها، أو إعادة كتابة تاريخ المقاومة كأنه بدأ معها.
وهنا تبدأ المشكلة، حين يتحول الاعتزاز بتجربةٍ مقاومة إلى ادعاء امتلاك تاريخ المقاومة كله، فبعض القوى الإسلامية باتت تتعامل مع التيارات اليسارية والقومية والديمقراطية، التي سبقتها إلى ساحات فلسطين، بوصفها أطرافاً ينبغي عزلها أو تهميشها، وهكذا تنقلب الجبهة التي جمعت المختلفين إلى ساحة تنازعٍ على الشرعية والتمثيل.
وفي العراق، تبدو (تنسيقية المقاومة الإسلامية)، مثالاً يستحق المراجعة، فقد ظهرت بوصفها إطاراً يضم أكثر من فصيل، من بينها عصائب أهل الحق والنجباء وكتائب سيد الشهداء وبدر والتيار الصدري، ثم انكمش حضورها العملي والسياسي حتى باتت تسوق كأنها إطارٌ لفصيلٍ واحد هو كتائب حزب الله.
ولا يحتاج هذا التحول إلى تبريرٍ أيديولوجي بقدر ما يحتاج إلى سؤالٍ صريح: كيف يصبح اسم التنسيقية أوسع من مكوّناتها، ثم تضيق ممارستها حتى تكاد يختزلها فصيل واحد ؟.
ولعل (طوفان الأقصى)، حين اندلع، أعاد فلسطين إلى مركز السياسة والوجدان، لكنه لا يمنح أحداً صكّ احتكار القضية، ولا يمحو ما سبق من تضحيات وتجارب، وإذا كانت المقاومة قد واجهت مشاريع الهيمنة والتطبيع، فإنها تواجه اليوم خطراً من داخلها، أن تعيد إنتاج الإقصاء الذي قاومته، وأن تستبدل وحدة الهدف بوحدة الولاء لفصيلٍ بعينه.
والمقاومة التي تنكر تاريخها تضعف حجتها، والتي تمحو شركاءها تمحو جزءاً من نفسها، فاليساري والقومي والديمقراطي لم يكونوا هامشاً في الحكاية؛ بل كانوا من أوائل من حملوا فلسطين إلى الشارع والمعسكر والسجن، أما المقاومة الإسلامية، فمكانها محفوظ بما قدمته، لا بما تمحوه من ذاكرة الآخرين.
وهذه ليست دعوةً إلى تصفية حسابات، بل إلى مراجعةٍ تليق بتاريخٍ طويل، من يملك حق تسمية المقاومة ؟، وهل تكون الجبهة أقوى حين تتعدد راياتها، أم حين يُطلب من الجميع أن يقفوا تحت راية فصيلٍ واحد ؟، وإن لم تُطرح هذه الأسئلة الآن، فقد لا يبقى من المقاومة إلا اسمٌ تتنازع عليه قواها، فيما ينجو خصومها من كلفة مواجهتها.
