
من أشعل معركة وزير الثقافة؟ وأين اختفت الملفات الكبرى؟حملات الظل الممنهجة
بقلم: الباحثة كنانة خلف الكردي
في المراحل الانتقالية لا تكمن المشكلة دائماً في وجود النقد بل في اتجاهه وفي حجم الاهتمام الذي يمنح لقضية دون أخرى وفي قدرة الرأي العام على التمييز بين ما هو جوهري وما هو هامشي
النقد حق مشروع والرقابة على أداء المسؤولين ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها وأي مؤسسة حكومية يجب أن تكون مفتوحة أمام المساءلة لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو لماذا يبدو أن جزءاً من المشهد الإعلامي والناشط على مواقع التواصل قد وجد في وزير الثقافة وفعاليات وزارته مساحة واسعة للاشتباك والنقاش بينما تتراجع ملفات أخرى أكثر ارتباطاً بحياة المواطن عن واجهة الاهتمام
هل أصبحت فعالية ثقافية أو جلسة أدبية أو قرار إداري داخل وزارة الثقافة هو الملف الأكثر إلحاحاً في الدولة؟ وفي مواقع التواصل
أم أننا أمام اختلال في ترتيب الأولويات جعل بعض الناشطين والمنصات ينشغلون بمعارك جانبية بينما تحتاج مؤسسات أخرى إلى أسئلة أكثر صعوبة حول الأداء والإنفاق والرقابة والفساد والخدمات؟
المسألة هنا ليست دفاعاً عن وزير الثقافة ولا محاولة لتحصين الوزارة من النقد على العكس تماماً
إذا كان هناك خطأ في قرار أو تجاوز في إجراء أو تقصير في أداء فمن حق المجتمع أن يعرف ومن واجب المسؤول أن يوضح وأن يتحمل المساءلة لكن هناك فرقاً بين النقد الذي يستهدف تصحيح الخلل وبين تحويل تفاصيل محدودة إلى قضية رأي عام تتكرر حولها الحملات وكأنها المعركة الأساسية التي ينبغي أن ينشغل بها المجتمع
والسؤال الأهم هنا ليس فقط لماذا يتعرض وزير الثقافة لكل هذا الاهتمام
بل من أين جاءت هذه الأولوية؟
ومن الذي يحدد للناشطين والمنصات ما الذي يستحق أن يتحول إلى قضية عامة؟
ليس المقصود اتهام جهة أو شخص بعينه بقيادة حملة من دون أدلة فمثل هذا الاتهام يحتاج إلى معلومات واضحة وقرائن يمكن التحقق منها لكن من حق الرأي العام أن يسأل عن طبيعة هذه الموجة وتوقيتها وحجمها ولماذا تتكرر حول ملفات ثقافية محددة بينما لا تحظى ملفات أخرى بالاهتمام نفسه
ففي العمل الإعلامي والسياسي لا تكمن القضية فقط فيما يظهر أمام الجمهور بل أحياناً فيما يغيب عنه
لماذا يستطيع نشاط ثقافي أن يشغل مساحة واسعة من النقاش بينما لا تحظى حالات العجز الإداري أو ضعف الأداء المؤسسي أو شبهات الفساد بالقدر نفسه من التفاعل؟
ولماذا تتحول بعض التفاصيل الصغيرة إلى معارك واسعة بينما تبقى ملفات اقتصادية وخدمية وإدارية أكثر تأثيراً في حياة المواطن خارج دائرة الضوء؟
قد يكون الأمر مجرد طبيعة العمل على منصات التواصل حيث تنتشر القضايا السهلة والسريعة أكثر من الملفات المعقدة التي تحتاج إلى تحقيق ووثائق وأرقام
لكن من المشروع أيضاً أن نتساءل إن كانت صناعة الجدل نفسها تساهم أحياناً في إعادة توجيه اهتمام الرأي العام بعيداً عن الملفات الأكثر حساسية
وهنا تقع مسؤولية الناشط والإعلامي
فالناشط الذي يريد إصلاح الدولة لا ينبغي أن يكتفي بملاحقة ما يتصدر المنصات بل عليه أن يسأل عن الملفات التي لا تتصدرها
أين الخلل الحقيقي؟
أين مواطن الضعف في المؤسسات؟
أين أوجه الإنفاق التي تحتاج إلى رقابة؟
أين القرارات التي تحتاج إلى تفسير؟
وأين الملفات التي تمس حياة الناس بشكل مباشر وتحتاج إلى مساءلة جدية؟
الثقافة ليست فوق النقد لكنها أيضاً ليست شماعة لأزمات الدولة
ووزير الثقافة ليس فوق المساءلة لكنه أيضاً لا ينبغي أن يتحول إلى محور دائم لصناعة الجدل بينما تتراجع ملفات أخرى أكثر أهمية إلى الصفوف الخلفية
الإصلاح الحقيقي لا يقوم على حماية المسؤول من النقد ولا على استنزافه بحملات متواصلة
بل يقوم على معيار واحد يطبق على الجميع
نحاسب حيث يوجد الخلل ونراقب حيث توجد المسؤولية ونسأل عن المال العام ونقيس الأداء ونترك للقضايا الثقافية مساحتها الطبيعية بعيداً عن التسييس والمبالغة واستهداف اشخاص معينين
الدولة في مرحلة انتقالية تحتاج إلى طاقة الناشطين والإعلاميين في الاتجاه الصحيح
تحتاج إلى من يراقب المؤسسات لا من يطارد الأشخاص
وإلى من يبحث عن الخلل لا من يصنع معركة حول كل تفصيل
لذلك فإن السؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحاً ليس فقط
من أشعل معركة وزير الثقافة؟
بل السؤال الأوسع بل أين اختفت الملفات الكبرى التي يفترض أن تكون في مقدمة المشهد؟
فحين يصبح تفصيل ثقافي صغير قادراً على إشغال الرأي العام أكثر من ملفات الاقتصاد والخدمات والفساد والإدارة فإن المشكلة لا تعود في الثقافة وحدها بل في بوصلة الأولويات نفسها وتسيسها وإشغال المواقع



