
لم يتغير شيء.. بل كل شيء تغير: سوريون بين ثبات الأماكن وزلزال الروح
الباحثة كنانة خلف الكردي
حين نقف طويلاً على حافة الذاكرة ونراقب الأيام وهي تمر يتردد في أذهاننا ذلك التناقض العجيب: «لم يتغير شيء.. بل كل شيء تغير». وحين نسقط هذه العبارة على الواقع السوري يصبح المعنى أشد عمقاً وأكثر قسوة ليختصر بدقة متناهية شعور السوري وهو يتأمل مدنه وذكرياته وتفاصيل حياته.
من الخارج تبدو الجغرافيا السورية كأنها تقاوم النسيان الحجارة العتيقة لأسواق دمشق القديمة ما زالت قائمة أزقة حلب العريقة تحمل نفس الأسماء، شواطئ اللاذقية تداعبها الأمواج ذاتها والسهول والروابي تنتظر فصولها. الظاهر يوحي بأن الزمن قد تجمد، وأن الأماكن حافظت على ملامحها الأولى وكأن شيئاً لم يكن.
لكن ما إن تخترق هذا الغلاف الخارجي الخادع حتى تصطدم بالحقيقة المرة: كل شيء قد تغير بل وانقلب رأساً على عقب
لقد تغيرت الأرواح قبل الأماكن البيت الذي كان يضج بالحياة والدفء وأصوات العائلة بات موحشاً وساكناً والأحبة والأصدقاء الذين صنعوا ذاكرة المكان تفرقوا في جهات الأرض الأربع وتوزعت عناوينهم بين منفي بعيد ومقابر صامتة و الشوارع التي كانت تموج بالبهجة والحركة أصبحت تحمل حكايات أخرى وتحولت ملامح المدن إلى خرائط تنطق بالفقد والفجائع.
والإنسان السوري نفسه لم يعد هو ذلك الشخص الذي كان فالمرء الذي يمشى في شوارع مدينته اليوم صقلته التجارب القاسية ونحتت أيامه ندوباً عميقة لا تُرى على السطح وبات يزن العالم بمنظور مختلف تماماً عن براءة الماضي
إنها مفارقة الواقع السوري الموجعة الجدران تخدعك بثباتها الظاهري بينما الحكاية كلها قد تبدلت. يقف السوري غريباً في مكانه يناجي أطلالاً لا تتكلم وبناء مدمر وبقايا كتب ولباس وبقايا شتات ذكريات بينما يحمل في أعماقه عالماً كاملاً من التحولات والتغيرات التي لا تُمحى نعم بإختصار تغير كل شييء




