مع تفسير الشيخ محمد جواد مغنية (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين)

الكاتب : د. فاضل حسن شريف
—————————————
جاء في التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله تعالى “ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ” (البقرة 2) ذلك اسم إشارة، ومحله الرفع بالابتداء، والكاف للتعظيم، لا للبعد، كقولك: أنا ذلك الرجل.. والمراد بالكتاب القرآن. وبنفي الريب عنه انه كتاب حق وصدق. وعجزهم عن صياغة مثله يستدعي ان لا يرتابوا فيه إطلاقا لو كانوا طلاب حقيقة. القران والعلم الحديث: قوله تعالى: “هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ” فيه دلالة واضحة على ان القرآن لا يلتمس فيه علم التاريخ، ولا الفلسفة، ولا العلوم الطبيعية والرياضية، وما إليها، وانما يلتمس فيه هداية الإنسان، وإرشاده إلى صلاحه وسعادته في الدارين. وبكلمة ان القرآن كتاب دين وأخلاق وعقيدة وشريعة. وتسأل: وما ذا أنت صانع بالآيات الكونية: “والشمس تجري لمستقر”. والقمر قدرناه منازل وما إلى ذلك من عشرات الآيات ؟. الجواب: لم يكن الغرض من هذه الآيات ان يبين اللَّه لنا ما في الطبيعة من حقائق علمية، كلا، فان ذلك موكول إلى عقل الإنسان وتجاربه، وانما الهدف الأول من ذكرها أن نسترشد بالكون ونظامه إلى وجود اللَّه سبحانه، وانه لا شيء من هذه الكائنات وجد صدفة، ومن غير قصد كما يزعم الماديون، بل وجد بإرادة عليمة حكيمة، وقد بين اللَّه ذلك صراحة في قوله تعالى: “سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الآفاقِ وفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ – 53 حم السجدة”. أي سنكشف للكافرين باللَّه عن تدبير الكون وأحكامه ما يعلمون معه انهم على ضلال.

وعن الكتاب القرآن يقول الشيخ مغنية قدس سره في تفسيره للآية البقرة 2: ان القرآن حين يدعو إلى النظر في الكون فإنه يقول بلسان مبين ان دلائل الكون أصدق حجة، وأقوى دلالة على وجود اللَّه من كل شيء، حتى من الدور والتسلسل. قال بعض الحكماء: ان للَّه كتابين: كتابا يتلوه اللسان، وكتابا يتلوه العقل، وهو الكون. أجل، ان القرآن حث على دراسة العلوم الطبيعية، وكل علم يعود على الانسانية بالخير والهناء، ولكن حثه على العلم شيء، وكونه كتابا في العلوم شيء آخر. وأيضا لا يشك عارف بالقرآن وآياته ان معانيه لا تحصيها كثرة، ولا يحيط بها عقل بالغا ما بلغ من العظمة، وانما يدرك منها كل عالم ما تتسع له مؤهلاته ومواهبه، وهي عميقة إلى أبعد الحدود، فإذا اكتشف عالم معنى منها فإنه يكتشف طرفا من أطرافه، وجهة من جهاته يستعين بها على معرفة بعض ما يحويه الكون. ولكن هذا شيء، والحقائق العلمية التي يستنتجها الأخصائيون في مختبراتهم شيء آخر. “ملحوظة”: اني ما مضيت في تفسير القرآن إلا قليلا، حتى أيقنت ان أي مفسر لا يأتي بجديد لم يسبق إليه، ولو بفكرة واحدة في التفسير كله يخالف فيها من تقدمه من أهل التفسير، ان هذا المفسر لا يملك عقلا واعيا، وانما يملك عقلا قارئا يرتسم فيه ما يقرأه لغيره دون محاكمة، أو تقليم وتطعيم، تماما كما يرتسم الشيء في المرآة على ما هومن لون وحجم.. وأيضا اكتشفت من تفسيري للقرآن ان معانيه لا يدركها، ولن يدركها على حقيقتها إلا المؤمن حقا الذي اختلط الإيمان بدمه ولحمه. وانسجم مع أهداف القرآن انسجاما كاملا. وهنا يكمن السر في قول الإمام أمير المؤمنين: ذلك القرآن الصامت، وأنا القرآن الناطق. ومما يعزز ويؤيد ان القرآن أولا وقبل شيء هو كتاب هدى ودين وشريعة وأخلاق وانه أنزل لأجل هذه الغاية قوله تعالى: “كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ” (إبراهيم 1).

ويستطرد الشيخ محمد جواد مغنية في شرحه عن القرآن الكريم قائلا: وقوله: “هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ” (الأعراف: 203).. وكفى دليلا على ذلك قول الرسول الأعظم صلى الله عليه واله إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق. وقال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في الخطبة 174 من خطب النهج: “ان في القرآن شفاء من أكبر الداء، وهو الكفر والنفاق، والغي والضلال”. وبهذا نجد تفسير قوله تعالى: “وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُو شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا” (الإسراء 82). وعسى أن يتعظ بقول الإمام عليه السلام من يطلب الشفاء لأوجاعه الجسمية بتلاوة هذه الآية إلا أن يضيف إليها (روشتة) الطبيب. وتسأل مرة ثانية وما ذا تقول بهذه الآية: “مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ” (الأنعام 38). حيث دلت بظاهرها على أن في القرآن جميع العلوم؟. الجواب: ان عموم كل شيء بحسبه، فإذا قلت: هذا البيت فيه كل شيء فهم منه ان فيه ما تدعو إليه حاجة المقيم فيه من مؤنة وأثاث. وإذا قلت عن كتاب فقهي: فيه كل شيء. فهم منه جميع المسائل الفقهية. والقرآن كتاب دين، وعليه يكون معنى ما فرطنا في الكتاب من شيء يتصل بخير الإنسان وهدايته. سؤال ثالث: وما قولك في هذه الكتب التي تحمل اسم القرآن والعلم الحديث، والإسلام والطب الحديث، وما إلى هذا؟. الجواب: أولا ان كل من يحاول الملاءمة بين مستكشفات العلم قديما كان أو حديثا، وبين القرآن الكريم فإنه يحاول المحال. ذلك ان علم الإنسان محدود بطاقته العقلية، والقرآن من علم اللَّه الذي لا حد له. فكيف تصح الملاءمة بين المحدود، وغير المحدود؟. ثانيا: ان علم الإنسان عرضة للخطأ، لأنه عبارة عن نظريات وفروض تخطئ وتصيب. وكم رأينا العلماء يجمعون على نظرية، وانها صحيحة مائة بالمائة ثم اكتشفوا، أومن جاء بعدهم من العلماء انها خطأ مائة بالمائة. والقرآن معصوم عن الخطأ فكيف تصح الملاءمة بين ما هو عرضة للخطأ، وبين المعصوم عنه ؟ ثم هل نستمر في تأويل نصوص القرآن، ونحملها ما لا تتحمل كلما نسخت أو عدلت فروض العلم ونظرياته؟ أجل، لا بأس أن نستعين بما يكتشفه العلم من حقائق على فهم بعض الآيات، على شريطة أن لا نجعلها مقياسا لصدق القرآن وصحته، بل وسيلة للتعرف على أسراره وحكمة بعض أحكامه. ومن الجائز ان يكون هذا ما قصد إليه الذين كتبوا وألفوا في القرآن والعلم الحديث.

وعن علاقة القرآن بالمتقين يقول الشيخ مغنية قدس سره: “ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ” (البقرة 2) ومهما يكن، فنحن على يقين راسخ بأننا أقوياء في ديننا، أغنياء فيما لدينا من البراهين على صدقه.. ولسنا أبدا بحاجة إلى ما عند الغير، بل نعتقد ان الغير بحاجة إلينا في ذلك.. ان البشرية في تاريخها كله لم تعرف، ولن تعرف دينا أصلح لها من دين الإسلام، ولا كتابا أنفع من كتابه، ولا نبيا أعظم من نبيه، ومن لم يهتد بدلائل القرآن، ودعوته إلى الحياة الطيبة فلا تقنعه الكشوف العلمية قديمة كانت أو حديثة. وخطر في بالي الآن شيء.. ربما خفف عن القارئ وطأة الملل من القراءة، وأغراه في المضي، كما انه يصلح – على ما أظن – ردا على من يحاول تطبيق القرآن على العلم الحديث، وهذا هو الخاطر: مر عزير على قرية خاوية على عروشها، وكان معه حماره، وطعامه، وشرابه، فتعجب واستغرب، وقال: انّي يحيي هذه اللَّه بعد موتها؟ وأراد اللَّه أن يزيل استغرابه، واستبعاده فأماته مائة عام، وأبقى طعامه وشرابه طوال هذه المدة على حالهما دون أن ينالهما تغير وفساد.. ولما أحيا اللَّه عزيرا وأراد أن يريه من آياته عجبا قال له: أنظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه، أي لم يتغير. فهل يا ترى كان طعام عزير وشرابه في ثلاثة؟ السؤال موجه لصاحب القرآن والعلم الحديث. وليس من شك ان هذه الثلاجة التي حفظت الطعام والشراب مائة عام ليس من شك انها من موديل سنة الألفين، لا موديل سنة ال 67. أجل، ان فهم معاني القرآن الكريم يمكن تطبيقه على العلم الحديث، وبصورة خاصة على النظرية النسبية. ذلك ان الفهم لجهة من جهات معنى من معانيه الدقيقة العميقة يختلف باختلاف زمن التلاوة ومكانها، وحال من يتلو أو يسمع. وان قال قائل: ان هذا الاختلاف لا يختص بالفهم لتلاوة القرآن وحده، لأن النظرية النسبية عامة لا تقبل التخصيص. قلنا في جوابه: هذا صحيح، ولكن لمعاني القرآن استعدادا لذلك لا يوجد في غيرها.. وهذا يعزز ملاحظتنا بأن من يقف عند قول المفسرين، لا يتعداه ولوفي تفسير آية واحدة فهو قاصر يملك عقلا قارئا، لا عقلا واعيا.. واللَّه سبحانه المسؤول أن يجعل فهمنا لآياته فهم وعي ودراية، لا فهم نقل ورواية. و “لِلْمُتَّقِينَ” أوله واو، لأنه وقي وقاية، ثم قلبت الواو تاء، والوقاية في اللغة مطلق الصيانة والتحفظ، وفي الشريعة الوقاية من سخط اللَّه وعقابه على ترك واجب، أو فعل محرم، قال أمير المؤمنين عليه السلام: التقى رأس الأخلاق. وقال بعضهم: التقى ان لا يراك اللَّه، حيث نهاك، ولا يفقدك، حيث أمرك، وبالتقوى وحدها يكون التفاضل عند اللَّه: “إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ” (الحجرات 13). وتسأل: ان المتقين مهتدون، فلا يحتاجون إلى من يهديهم، تماما كما لا يحتاج العالم إلى من يعلمه؟. الجواب: ان المعلم يلقي دروسه على جميع الطلاب، الأذكياء والبلداء، ولكن الذين ينتفعون بالمعلم هم الأذكياء المجتهدون الذين تكون عاقبتهم إلى النجاح، وعليه يصح أن يقال: ان المعلم هو معلم الناجحين، وكذا القرآن الكريم، فإنه قد خاطب الجميع دون استثناء، ولكن الذين انتفعوا به هم الذين صاروا من المؤمنين المتقين، ومن أجل هذا خصهم بالذكر، على ان المتقي يستمر ويزداد. تقى بالقرآن: “وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى” (محمد 17).