من يقف وراء استهداف مطار كركوك ومصفاة بيجي؟

الكاتب : الدكتور ابو عبد الدليمي
—————————————
من يقف وراء استهداف مطار كركوك ومصفاة بيجي؟

قراءة تحليلية في خلفيات التصعيد وأطرافه المحتملة

بقلم: د. أبو عبد الدليمي

في ليلة متوترة من نهايات يونيو 2025، هزّت انفجارات مطار كركوك الدولي بصواريخ مجهولة المصدر، تلاها ساعات قليلة بعد ذلك هجوم بطائرات مسيّرة على مصفاة بيجي النفطية في محافظة صلاح الدين. هذان الهجومان المتزامنان أثارا العديد من التساؤلات حول الجهة التي تقف وراء التصعيد، وما هي الأهداف الحقيقية من ورائه، والأهم: لماذا الآن؟

أولًا: هل داعش هو المتهم الطبيعي؟

التنظيم المعروف باسم “داعش” ظل ولسنوات طويلة مصدر القلق الأمني الأكبر في العراق، لكن الواقع الحالي يفرض مراجعة موضوعية لقدرات هذا التنظيم في هذه المرحلة:
1. التنظيم في حالة انكماش ميداني: منذ هزيمته العسكرية في الموصل والأنبار، تحول نشاط داعش إلى عمليات محدودة تتركز على الكمائن، والاغتيالات الفردية، واستهداف القطعات الضعيفة في المناطق النائية.
2. غياب القدرات التقنية: استخدام طائرات مسيرة بهذا الحجم والتكتيك العالي يحتاج إلى دعم لوجستي واستخباراتي وتقني، وهو ما لا تملكه بقايا داعش في العراق حاليًا.
3. عدم تبني الهجوم: داعش عادةً يسرع في تبني مثل هذه الهجمات لأغراض دعائية، وهو ما لم يحدث حتى لحظة كتابة هذا المقال.

ثانيًا: الميليشيات الولائية.. المتهم الأكثر منطقية

في مقابل ضعف فرضية داعش، تبرز فرضية الميليشيات المرتبطة بإيران كطرف له المصلحة والقدرة لتنفيذ مثل هذه العمليات لعدة أسباب:
1. التوقيت السياسي الحرج: تواجه الفصائل المسلحة المدعومة من إيران ضغوطًا متزايدة من المجتمع الدولي والإدارة الأمريكية لتقليص نفوذها وحصر السلاح بيد الدولة. التصعيد الأمني في هذا التوقيت قد يكون محاولة متعمدة لتخويف الداخل العراقي وإقناع الأطراف الدولية بأن الانسحاب من المشهد الأمني سيعيد الفوضى.
2. الخبرة التقنية والقدرات: خلال السنوات الأخيرة، طورت هذه الجماعات خبرات متقدمة في صناعة واستخدام الطائرات المسيرة والصواريخ قصيرة المدى، مع سجل طويل في استهداف قواعد أمريكية وعراقية.
3. التكتيك المعتاد: “صناعة عدو وهمي”: لطالما لجأت هذه الجماعات إلى أسلوب “الرايات المزيفة”، حيث تنفذ عمليات ثم تلصقها بجهات أخرى، سواء كان داعش أو جماعات وهمية، بهدف تبرير تحركاتها العسكرية وفرضية بقائها كقوة أمنية موازية للدولة.
4. سوابق مماثلة: حادثة الاعتداء على منظومة الدفاع الجوي في العراق خلال الأشهر الماضية تمثل مثالًا واضحًا على قدرة هذه الجماعات على استهداف منشآت استراتيجية دون إعلان صريح للمسؤولية، مع محاولات لاحقة لصياغة روايات أمنية تغطي الحقيقة.

ثالثًا: لماذا الآن؟

السؤال الأهم يبقى: لماذا هذا التصعيد في هذا التوقيت بالذات؟
• إعادة رسم مشهد النفوذ الأمني: ربما يأتي التصعيد في إطار سياسة “خلق الحاجة”، حيث تسعى بعض القوى إلى إعادة إنتاج مبررات وجودها الأمني والعسكري داخل العراق.
• الضغط على القرار العراقي والأمريكي: مع اقتراب مواعيد نقاشات الانسحاب الأمريكي من العراق، واختناق المفاوضات حول مصير قوات التحالف، قد يكون الهدف من هذه الهجمات إرسال رسالة مفادها أن انسحاب الحشد الشعبي أو الفصائل المسلحة سيعيد الفوضى.
• التغطية على أزمات داخلية: الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية داخل العراق متوترة، وقد يكون التصعيد الأمني وسيلة لإشغال الرأي العام وصرف الأنظار عن الفشل الخدمي والسياسي.

رابعًا: باختصار

استنادًا إلى توقيت الهجومين، نوعية الأسلحة المستخدمة، غياب إعلان رسمي من داعش، وكذلك تحليل نمط العمليات السابقة في العراق، فإن الاحتمال الأرجح هو تورط الميليشيات المسلحة المرتبطة بإيران، باستخدام واجهات دعائية تحاول إظهار الحدث كأنه “عمل إرهابي داعشي”.

هذا السيناريو يخدم أهداف بقاء هذه المجموعات، ويؤمن لها هامش مناورة سياسي وأمني، في ظل تقارير متزايدة عن توجه داخلي ودولي لوضع حد لوجودها المسلح خارج إطار الدولة.

وأخيرًا…
يبقى على الحكومة العراقية أن تتعامل بشفافية مع نتائج التحقيق، وأن تضع حداً لأي محاولات لخلط الأوراق أو استغلال الوضع الأمني لتحقيق مكاسب فئوية على حساب أمن واستقرار العراق.

د. أبو عبد الدليمي
باحث في الشؤون السياسية والأمنية العراقية