الانسحابات الانتخابية… قراءة هادئة في المشهد العراقي..!

حسن درباش العامري

بعد انسحاب التيار الصدري من المشهد السياسي، تبعته قوى أخرى مثل ائتلاف النصر، وعدد من الائتلافات والشخصيات المدنية، في مقاطعة الانتخابات البرلمانية المقبلة. هذه الظاهرة المتكررة لا يمكن المرور عليها مرور الكرام، فهي تنطوي على دلالات عميقة وتضع علامات استفهام كبيرة حول سلامة ومصداقية العملية الانتخابية في العراق.

ولأننا نرغب في تقديم قراءة حيادية وموضوعية، فإننا نعرض هنا أبرز الأسباب والدوافع التي قد تقف خلف هذه الانسحابات، كما وردت في إجابتي على سؤال أحد الصحفيين حول هذا الموضوع:

1. غياب الثقة بنزاهة العملية الانتخابية

باتت الثقة بالانتخابات تتآكل تدريجيًا، خاصة مع تكرار التجارب التي لم تؤدِّ إلى تغيير حقيقي في بنية النظام السياسي. تصريحات بعض المسؤولين، وعلى رأسهم رئيس البرلمان الأسبق السيد محمود المشهداني، تعزز شعور الشك وعدم اليقين لدى الناخب والمترشح على حد سواء.

2. هيمنة القوى النافذة على مفاصل الدولة

الواقع السياسي يشهد سيطرة أحزاب كبرى على مؤسسات الدولة، والإعلام، والمال العام، وهو ما يخلق بيئة تنافسية غير عادلة. فكيف يمكن لشخص أو حزب محدود الإمكانات أن ينافس من يمتلك مليارات الدنانير؟ وكيف يُتوقع من هذا الشخص أن يقف نِدًّا لمن يملك أدوات التأثير والشراء والترويج؟ هذا الخلل البنيوي يجعل التنافس الانتخابي أقرب إلى المبارزة غير المتكافئة.

3. الاعتقاد بأن النتائج محسومة أو أن التزوير وارد، وبأعتراف شخصيات برلمانيه معروفه..

يشعر بعض السياسيين بأن نتائج الانتخابات قد تكون محسومة سلفًا، أو على الأقل قابلة للتلاعب. والأسوأ أن بعض التصريحات الرسمية تُروِّج لفكرة التزوير، سواء عن قصد أو عن غير قصد، وهو ما يزيد من فقدان الثقة ويدفع البعض نحو العزوف أو الانسحاب.

4. إطار قانوني هش ومفوضية غير مستقلة

القانون الانتخابي الحالي لا يحظى بإجماع، وقد وُصِف مرارًا بأنه مثير للجدل. كما أن المفوضية العليا للانتخابات لا تُعتبر، في نظر الكثيرين، مستقلة بشكل كامل. إلى جانب ذلك، تتعرض المحكمة الاتحادية لضغوط سياسية واضحة، في ظل غياب تطبيق فعلي لمبدأ الفصل بين السلطات.

5. ضعف دور البرلمان وتراجع فاعليته

الكثير من العراقيين يرون أن البرلمان بات مؤسسة عاجزة عن إحداث التغيير أو محاسبة الفاسدين، رغم وجود بعض النواب الشرفاء داخل قبته. هذا الانطباع السلبي جعل العديد من القوى تفقد الحافز للمشاركة في مؤسسة لا تمتلك أدوات حقيقية للرقابة أو التشريع الفاعل.

6. أسباب تكتيكية مرتبطة بالمصالح ،حتى بات ينظر إلى البرلمان على أنه مجلس يعنى بمصالح اعضائه دون الاكتراث لمصالح البلد العليا أو مصالح الشعب .

في بعض الحالات، قد تكون الانسحابات لأسباب تكتيكية بحتة؛ فبعض القوى تنسحب لتحسين موقعها التفاوضي، أو لتفادي خسارة متوقعة بعد تراجع شعبيتها.
ولكن قد يكون …

الانسحاب من الانتخابات ليس دائمًا موقفًا شريفًا يعبر عن رفض للواقع، وليس دائمًا هروبًا من المواجهة، بل هو مزيج معقد من الدوافع السياسية، والتكتيكية، والواقعية، تختلف من جهة لأخرى حسب ظروفها وسياقاتها.

ولذلك، فإن المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بإدانة المنسحبين أو التشكيك ببقائهم، بل مراجعة شاملة وشجاعة لأسس العملية السياسية ومقومات التنافس العادل، إذا أردنا لانتخاباتنا القادمة أن تكون محطة إصلاح لا مجرد تكرار لما سبق.