حسن درباش العامري
كثيراً ما تروج بعض الدول العربية، لاسيما ذات الغالبية السنية، بأن إيران تُشكل تهديداً للأمن القومي العربي، وأنها تتبع نهجاً توسعياً يستهدف “تصدير الثورة” والتغلغل في شؤون الدول الأخرى. وتُتهم طهران بأنها تسعى إلى السيطرة الإقليمية عبر أذرع سياسية أو عسكرية أو مذهبية. لكن المتتبع العاقل والمتجرد من أهواء السياسة والإعلام الموجه، حين يُراجع أفعال إيران ومواقفها عبر العقود، قد يجد فارقاً كبيراً بين تلك الاتهامات الصاخبة، وبين الواقع الفعلي القائم على الأرض.
منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، أعلنت الجمهورية الإسلامية الإيرانية بوضوح وقوفها إلى جانب قضايا الشعوب المسلمة والمظلومة في العالم، وجعلت من القضية الفلسطينية محوراً مركزياً لسياستها الخارجية، على خلاف عدد من الدول التي هرولت للتطبيع مع الكيان الصهيوني دون خجل أو اعتبار لمقدسات الأمة. إيران لم تُخف يوماً عداءها الصريح للكيان الإسرائيلي، بل دعمت المقاومة الفلسطينية واللبنانية بكل وضوح، وبثّت في الأمة روح الرفض والتحدي.
وما يُثبت صدق التوجه الإيراني، هو أن مواقفها لا تُبنى على أساس طائفي، كما يزعم خصومها. لقد دعمت إيران المقاومة في غزة، رغم أن أهلها من أهل السنة، وقدمت المساعدة لسوريا، لا دفاعاً عن طائفة، بل حفاظاً على وحدة دولة عربية، في وجه مشروع تفتيتيّ تكفيري لا علاقة له بالإسلام، بل يشوه الإسلام المحمدي الأصيل.
وعلى عكس ما تروجه بعض وسائل الإعلام، فإن الجمهورية الإسلامية لم تُصنّف أهل السنة كأعداء لها،
ولم ترفع سلاحها ضدهم بسبب مذهبهم. بل على العكس، نجد الفكر التكفيري المتشدد – والذي تُنفق عليه بعض الدول الخليجية المليارات – هو من يزرع الحقد والكراهية، ويُكفر من يخالفه، ويستحل الدماء تحت غطاء ديني مشوه.
وللإنصاف، فإن القيادات الإيرانية، وفي مقدمتهم الإمام السيد علي الخامنئي، تمثل وجهاً نيراً للإسلام السياسي الذي يدعو للوحدة والكرامة والعدالة. فخطابات السيد الخامنئي دائماً ما تدعو إلى وحدة المسلمين، ونبذ الفتنة، والعودة إلى جوهر الإسلام المحمدي، الذي يجمع ولا يفرق، ويرفع المظلومين بدل أن يتحالف مع الظالمين.
إن محاولة تصوير إيران كعدو للعرب، ما هي إلا تغطية على الخلل الداخلي، وتبرير للتقاعس عن نصرة القضايا الإسلامية، وعلى رأسها فلسطين. أما شعوب الأمة، فهي أذكى من أن تنخدع بمثل هذه الدعايات. لقد بات واضحاً من هو العدو الحقيقي، ومن هو الحليف المخلص. العدو هو من يحتل المقدسات، ويُهين كرامة الأمة، ويُشعل الفتن. أما الحليف، فهو من يرفع راية المقاومة، ويقف مع المظلوم، ويُحارب الطغيان، مهما كان لونه أو جنسه أو مذهبه.
وفي النهاية، من أراد أن يُنصف، فليزن الأمور بميزان العدل لا العصبية، وليستمع لصوت الشعوب لا لصدى الفضائيات. فإيران، رغم كل الحصار والتشويه، لا تزال واقفة بثبات، تحمل مشعل الإسلام الأصيل، وتفتح صدرها لكل من يسعى إلى نهضة الأمة واستعادة عزتها المفقودة.