المرجعية وتشكيل البديل: حماية المكوّن الشيعي من التفكك القادم..!

كاظم الطائي

يمر العراق اليوم بمرحلة استثنائية من تاريخه الحديث، حيث تتداخل العوامل الداخلية والخارجية في رسم مشهد سياسي معقّد، تتزايد فيه مؤشرات الأزمة وتضع الدولة أمام مفترق طرق حاسم. وفي خضم هذا الوضع المضطرب، يبرز الدور المتجدد للمرجعية الدينية في النجف الأشرف بوصفها فاعلًا وطنيًا يتمتع بشرعية أخلاقية واجتماعية عالية، وقدرة نسبية على إعادة ضبط التوازن في لحظات التصدع.

المقال الحالي يسعى إلى تقديم مقاربة تحليلية لحالة الحراك المرجعي الراهن، وعلاقته بالأزمة البنيوية في النظام السياسي العراقي، وبالتحديد داخل المكون الشيعي، في ظل تصاعد الضغوط الإقليمية والدولية وتراجع فاعلية القيادات السياسية التقليدية.

أولًا: السياق السياسي وتآكل الشرعية

منذ سقوط النظام السابق عام 2003، تشكل نظام سياسي جديد في العراق قائم على التعددية الطائفية والتوافقات الهشة. ورغم تحقيق بعض المكاسب في المراحل الأولى، فإن السنوات الأخيرة كشفت عن أزمة تمثيل حادة، خصوصًا لدى بعض القوى السياسية الشيعية، التي باتت تواجه:

فقدان ثقة الجمهور بها بسبب الأداء الحكومي المتواضع وتفشي الفساد والمحسوبية.

تفكك داخلي في القيادات السياسية، وصراع مستمر على النفوذ دون رؤية استراتيجية موحدة.

عزوف جماهيري متزايد عن المشاركة السياسية، كما ظهر جليًا في نسب التصويت المتدنية في الانتخابات الأخيرة.

كل هذه العوامل أضعفت قدرة المكون الشيعي على الحفاظ على وحدة قراره السياسي، وفتح الباب أمام محاولات لإعادة تشكيل المعادلة السياسية على أسس جديدة قد تهدد توازن الدولة برمتها.

ثانيًا: تحرك المرجعية… بين المراقبة والتدخل

منذ عام 2003، لم تمارس المرجعية العليا في النجف دورًا مباشرًا في السلطة، بل حرصت على اعتماد نهج “المراقبة والتوجيه”، متدخلة فقط عند المنعطفات المصيرية. وقد كان لتدخلاتها آثار واضحة في أوقات حاسمة، مثل:

صياغة الدستور المؤقت والدائم.

دعم الانتخابات في مراحلها الأولى.

نزع فتيل الأزمات الأمنية بعد 2006.
دعم الحراك الشعبي في بعض الأزمات أو الملفات المعروفة.

وحاليًا، تشير بعض المؤشرات إلى أن المرجعية بدأت تعيد تقييم الموقف، وربما تتحرك مجددًا لملء فراغ القيادة داخل المكون الأكبر، بما ينسجم مع رؤيتها لوحدة الدولة ومنع انهيار التوازنات المجتمعية.

ثالثًا: أزمة القيادة الشيعية وأثرها في الاستقرار الوطني

تعيش الساحة الشيعية أزمة قيادية مركبة؛ فالقوى التقليدية التي كانت تحتكر القرار السياسي باتت عاجزة عن الاستجابة لمطالب جمهورها أو مجاراة التغيرات الإقليمية والدولية. هذه الحالة ولّدت:

فجوة كبيرة بين الشارع الشيعي وقياداته السياسية.

فراغًا يمكن أن تستغله أطراف خارجية أو داخلية لإعادة رسم المشهد، بما لا يتوافق مع مصالح المكون أو الدولة العراقية عمومًا.

حالة إحباط اجتماعي مرشحة للتفاقم ما لم تتم معالجة أسبابها بصورة عميقة.

إن استمرار هذا الوضع يهدد الاستقرار السياسي ويُضعف قدرة الدولة على التصدي للتحديات الأمنية والاقتصادية.

رابعًا: المشروع البديل والتحرك المرجعي

تشير بعض المعطيات إلى أن المرجعية قد تتجه لدعم شخصية أو مشروع إصلاحي يحظى بقبول شعبي واسع، ويقوم على:

تجاوز الأحزاب التقليدية والفصائلية.

استعادة ثقة الشارع عبر تمثيل حقيقي وكفوء.

إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس المواطنة والعدالة الاجتماعية.

هذا التحرك لا يأتي بدافع طموح سياسي، وإنما من منطلق مسؤولية دينية ووطنية لمنع انهيار الدولة وضياع مصالح المكون الشيعي، الذي شكّل تاريخيًا عمودًا فقريًا في توازنات البلاد.

خامسًا: أبعاد خارجية ومشاريع إعادة رسم السلطة

لا يمكن فصل المشهد العراقي عن التطورات الإقليمية والدولية، خصوصًا:

التوتر الإيراني–الإسرائيلي وما ينتج عنه من ارتدادات أمنية على الداخل العراقي.

الدفع الأمريكي والغربي باتجاه تعديل خريطة القوى داخل العراق، بما يخدم سياسات الاحتواء والتوازن الإقليمي.

تحركات بعض القوى غير الشيعية نحو إعادة تعريف “أوزان المكونات” سياسيًا وإعلاميًا، وهو ما قد يكون تمهيدًا لتغيير في بنية السلطة.

في ظل هذه التحديات، تبدو المرجعية معنية اليوم بالحفاظ على هوية الدولة ووحدتها، عبر منع انزلاق العراق إلى مشاريع تقسيم ناعمة أو فرض وقائع جديدة تُغيّب الأغلبية عن دورها التاريخي.

خاتمة: بين الإنقاذ والانهيار

العراق يقف اليوم على حافة تحوّل مصيري، تتشابك فيه الأزمات البنيوية مع ضغوط خارجية تهدد بتقويض أسس الدولة. وفي هذا السياق، قد يشكّل تحرك المرجعية لحظة مفصلية لإعادة ضبط المعادلة، سواء عبر دعم مشروع وطني جامع، أو ممارسة ضغوط أخلاقية على الطبقة السياسية لإجراء إصلاحات جذرية.

ولا شك أن الفرصة ما تزال قائمة، لكن الوقت يضيق، والفشل في اغتنام هذه اللحظة قد يؤدي إلى تفكك المشهد، ودخول البلاد في مرحلة طويلة من عدم الاستقرار. من هنا، فإن دعم المرجعية لا يجب أن يقتصر على النخب السياسية، بل ينبغي أن ينهض به الشارع والنخبة الفكرية، باعتبارها الضمان الأخير لوحدة العراق واستقراره.

ملاحظة :

هذا المقال لا يدعو إلى شخصنة التحولات أو تقويض المسار الديمقراطي، بل إلى إعادة تقييم الخيارات الوطنية في ضوء التطورات الجارية، بمنهج عقلاني، يحفظ السلم الأهلي ويُبقي المرجعية ضمن دورها التأريخي كصمام أمان وليس طرفًا في صراع السلطة.