لا حياة بدون الفيدرالية

كامل سلمان

لا حياة بدون الفيدرالية لدول المنطقة وليس كما يقولون لا حياة بدون القائد الأوحد ، أصعب شيء تواجه حكومات دول المنطقة هي القبول بالفيدرالية ، بالنسبة لهم قرار خطير ، مرة يعتبرونها تقسيم للبلد ، ومرة يعتبرونها ضياع للسلطة لأنهم تعودوا بأن السلطة تعني الهيمنة وإخضاع الأخرين ، ومرة يقولون بأن الفيدرالية مخالفة للتعاليم الدينية الإسلامية السمحاء ، يتباكون على حقوقهم وحقوق شعوبهم وحق الشعب الفلسطيني ولا يبالون لحقوق القوميات والمكونات الأخرى التي تعيش معهم ، الفيدرالية أصبحت فوبيا مزعجة جداً بالنسبة لهم لا يطيقون سماعها لإنهم من ناحية يعرفونها هي ضرورة من ضرورات الدولة العصرية للمجتمعات التي تحتضن التنوع العرقي والديني والقومي ومن ناحية ثانية يخشونها . فمثلاً الحكومة السورية التي ولدت على أنقاض نظام بشار الأسد الدكتاتوري الوحشي تعاني من نفس الازدواجية ، تبحث هذه الحكومة الفتية عن كسب ود المجتمع الدولي لإعادة بناء سوريا وبالمقابل تريد اضطهاد الأقليات العرقية والدينية . فحكومات دول المنطقة في ورطة ، ليست حكومة الشرع وحدها بل جميع حكومات المنطقة يريدون المكونات والأقليات العرقية والدينية خاضعين لهم ولعقائدهم وهذا الشيء هو أصل المشكلة لعشرات السنين فلابد من حل يرضي تلك الأقليات . هم لا ينظرون إلى الدول الفيدرالية الحقيقية كنموذج حي متطور تعيش شعوبها بأمن وأمان دول قوية متماسكة ، شعوبها متحابة مبدعة لكي يقلّدوها وإنما ينظرون إلى ماصنعه الأجداد من نظام حكم حديدي ، قد يسأل سائل لماذا يخافون من الفيدرالية ؟ الجواب ببساطة الفيدرالية تعني قبول وممارسة الديمقراطية لأنه لا فيدرالية بدون ديمقراطية حقيقية والديمقراطية تعني انتخابات نزيهة وهذا يعني بأنهم أي الحكام سيجدون أنفسهم خارج السلطة بعد أربعة أو خمسة سنوات وهذه كارثة . حزب أو تنظيم قاد نضالاً مسلحاً لعشرات السنين وقدم آلاف التضحيات يقوم بتسليم السلطة بعد أربعة سنين لجهة أخرى بسبب الديمقراطية والإنتخابات ، هذه الفكرة بالنسبة لهم دعابة لا يمكن قبولها ولا حتى النظر إليها فشعارهم ( جئنا لنبقى ) أو ( لا نعطيها )، وهذا يفسر لنا لماذا يحاولون جعل الدين الإسلامي جزءاً أساسياً من منهجيتهم في الحكم لأن الإسلام كمفهوم سياسي يرفض الديمقراطية والفيدرالية فهو نظام النص الديني ، ففي هذه الحالة سيكون الإسلام ورقتهم الرابحة لإقناع الناس ورفض الفيدرالية ، وهل هناك شيء أجمل من هذا بالنسبة للحاكم لبقاء سلطته بضمانة الشريعة خاصة وأن مع هذا التوجه ينجذب الوعاظ بعمائمهم السوداء والبيضاء والخضراء للدعاء إلى الرب أن ينصر القائد المنصور بالله وتبدأ خطبهم الرنانة التي يعشقها عامة الناس ، وكلنا نعرف مدى تأثير الوعاظ على الناس في مجتمعاتنا فهم بالنسبة لشريحة المغفلين صوت الله في الأرض وقولهم الحق . . أنه لعار على الحكام أن تطلب المكونات المضطهدة الرحمة من إسرائيل وأمريكا لأنقاذهم من بطش حكوماتهم الظالمة ، فها هم الدروز والعلويين في سوريا يستنجدون باليهود لينقذوهم من أبناء ملتهم ، ليست الأقليات فحسب حتى شعوبهم وصلت بها الحال أن يستنجدون بإسرائيل وأمريكا لأنقاذهم من حكامهم . ألم يستقبل الشعب العراقي الجيش الأمريكي بالورود ، ألم يستنجد الكويتيون بأمريكا لأنقاذهم من الاحتلال العراقي ، ألم يدعوا اللبنانيون أمريكا وإسرائيل لإنقاذهم من حزب الله ، ألم يصرخ الشعب الفلسطيني من قسوة وظلم حماس ؟ والأمثلة كثيرة ، وها هم عشرات الملايين من سكان هذه الدول هاجروا بلدانهم للبحث عن الحياة الحرة والتخلص من ظلم حكوماتهم .. لماذا يوصولون شعوبهم لهذا الحال وهم قادرون على أن يُعزوا أنفسهم ويرفعوا من قدر شعوبهم . على الحكام وشعوب المنطقة أن يعلموا بأن الفيدرالية ليست بعبعاً كي يخافونها ، صحيح أنهم لم يعهدوا الفيدرالية من قبل لأن الفيدرالية والديمقراطية والحرية مفاهيم عصرية ومفهوم الحرية على المستوى الاجتماعي عرفتها مجتمعاتنا للأسف بأنها دليل سوء التربية لأن الحرية في الغالب عند المجتمعات الشرقية هي الطيش والانفلات وعدم السيطرة فأعتقدوا بأن هذا هو مفهوم الحرية ويتصورون الفيدرالية بنفس الشاكلة ، لكن عليهم أن يعلموا بأن أرقى دول العالم اليوم هي دول فيدرالية ( أمريكا فرنسا ألمانيا استراليا كندا الهند بريطانيا والقائمة تطول وأن الإصرار على رفض الفيدرالية واضطهاد الأقليات سيجعل هؤلاء الحكام تحت طائلة العقوبات يدورون بين الفصل السادس والسابع من قرارات مجلس الأمن الدولي الذي يعرفون تبعاته جيداً ويبقون يتوسلون رفع الحصار والحصول على المساعدات الإنسانية وفوق كل ذلك يتلقون الضربات تلو الضربات المهينة المذلة بين الحين والأخر . يفعلون كل ذلك فقط لعدم قدرتهم الخروج من عباءة الماضي وليمنعوا شعوبهم من العيش بكرامة وبظل أنظمة ديمقراطية فيدرالية ، هم يعلمون يقيناً أن شعوب المنطقة فيها من الكوادر والطاقات والعقليات السياسية والعلمية لو فسح لها المجال بنظام ديمقراطي فيدرالي حر ستغير أحوال شعوب المنطقة وسترمي بجميع الحكام ومن سبقهم في سلة النفايات خارج السلطة لأن جميع هؤلاء الحكام وصلوا إلى السلطة في ظلام الليل ولا يملكون معشار ما يؤهلهم للحكم ، هذا هو ملخص ما يعانون منه منذ عشرات السنين وبغير الديمقراطية الحقيقية والفيدرالية وبناء الدولة العلمانية ستبقى حكومات وشعوب المنطقة تدفع الثمن غالياً من دماء أبناءها وسيبقون يحلمون بالمنقذ ينقذهم من سوء أعمالهم ، نأمل أن يكون هناك يوم يتخلصون فيه من هذه العُقد وينظرون إلى أنفسهم وشعوبهم بالحسنى فلا الشعب العراقي ولا الشعب السوري ولا التركي ولا الإيراني ولا اللبناني ولا غيرهم يستحقون كل هذا الألم والعناء بسبب ضعف الإدراك السياسي لحكامهم .

Kamil.salman@gmail.com