الكاتب : حسين شكران الأكوش العقيلي
—————————————
بين قداسة النص وسلطة الاتفاق
قراءة نقدية شرعية وقانونية في تعارض أحكام الشريعة الإسلامية واتفاقية سيداو
بقلم: حسين شكران الأكوش العقيلي
المقدمة
في عصر تتسابق فيه المفاهيم نحو إعادة تعريف الإنسان والعلاقات، تطل علينا اتفاقية سيداو بوصفها نصًا أمميًا يهدف إلى القضاء على التمييز ضد المرأة، متجاوزة بذلك حدود الخصوصيات الثقافية والدينية. ومعها يبرز سؤال جوهري: هل يمكن لتشريع وضعي أن يعيد صياغة أحكام الوحي؟
بين القرآن الكريم كمرجعية إلهية، واتفاقية سيداو كسلطة قانونية دولية، تتجلى مواجهة فكرية وأخلاقية تمس جوهر الشريعة والهوية.
المرجعية وتضاد التصورات
ينطلق القرآن الكريم من تصور توحيدي يُعلي من قيمة الإنسان بصفته عبدًا لله، ويقسم الأدوار بين الذكر والأنثى وفق الفطرة والتكليف. بينما تنطلق سيداو من فلسفة ليبرالية علمانية تنكر التمايز الفطري، وتدعو إلى مساواة رقمية تلغي الخصوصيات الدينية والاجتماعية.
ففي حين يرى الإسلام في الاختلاف تكاملًا، تراه سيداو انقسامًا. وبين التكليف الإلهي والتشريع الدولي، يتسع الشق بين المرجعيتين.
البنود المخالفة للشريعة الإسلامية
من صدام البنود إلى استفزاز العقيدة: تفكيك لبنود سيداو المتعارضة مع الشريعة
حين نغوص في نصوص اتفاقية سيداو، لا نواجه مجرد بنود قانونية أممية، بل نكتشف سردية فكرية كاملة تسعى لإعادة هندسة الإنسان والأسرة والدين. وهاك تفسيرًا سرديًا لخمسة بنود مركزية في الاتفاقية، وما تحمله من تعارض خطير مع أحكام الشريعة الإسلامية:
المادة الثانية: إعلان الحرب على التشريع الديني
في هذه المادة، يُطلب من الدول إلغاء كل القوانين التي تنطوي على (تمييز)، حتى لو كانت مستندة إلى عقيدة. وهذا ليس نقدًا للأعراف فحسب، بل هو استهداف مباشر للشريعة الإسلامية، بما فيها:
– أحكام الميراث التي تراعي المسؤوليات المالية، لا تميّز الجنس.
– القوامة الشرعية المبنية على التكليف والإنفاق.
– العدة التي تحفظ النسب وتصون الروابط الزوجية.
وكأن المادة تقول: لا قداسة تعلو فوق القانون الدولي.
المادة السادسة عشرة: تفكيك منظومة الأسرة الشرعية
هنا تتجلى الرغبة في محو الحدود الفاصلة بين المرجعية الدينية والتشريع الوضعي؛ إذ تطالب سيداو بمساواة مطلقة بين الرجل والمرأة في الزواج والطلاق والنسب. وهذا يعني عمليًا:
– إلغاء ولاية الرجل على ابنته في عقد النكاح.
– منع تعدد الزوجات، وهو مشروع شرعًا.
– تجاوز العدة الشرعية واعتبارها قيدًا لا مبرر له.
– منح الطفل نسبًا واسماً بلا اعتبار للضوابط الفقهية.
المادة ليست مجرد نص تنظيمي؛ إنها إعلان قيمي مضاد لفكرة الأسرة في الإسلام.
المادة الخامسة: نفي الفطرة
القضاء على (الأدوار النمطية للجنسين)يعني في اتفاقية سيداو: أن الذكر ليس مكلفًا بشيء زائد، والأنثى ليست مهيأة لشيء مختلف. إنها محاولة لتوحيد الطبائع والوظائف، وطمس الفرق بين:
– وظيفة الأمومة والرحم.
– دور الحماية والإنفاق.
– طبيعة الخشونة واللين، والتلقي والمبادرة.
الإسلام لا يمنع المرأة من الطموح، لكنه يُقر بالتنوع الفطري تكليفًا وتشريفًا. أما هذه المادة، فهي تنكر الفروق باسم التحرر، وتُنتج اضطرابًا نفسيًا واجتماعيًا عميقًا.
المادة الثانية عشرة: شرعنة القتل باسم الخيار
الحقوق الإنجابية في نص سيداو، تبدو عنوانًا جذابًا، لكنها تخفي وراءها:
– حق الإجهاض المطلق، دون ضوابط أو ضرورات.
– تجاوز فكرة (قتل النفس)التي نهى عنها الإسلام إلا بالحق.
– اعتبار الحمل والولادة خيارات، لا أمانة خَلقية.
وفي هذا المنطق، يُختزل الجنين إلى خيار فردي، ويُطرد عن دائرة الكرامة والحق في الحياة، في تعارض صارخ مع قوله تعالى: (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق) .
المادة الخامسة عشرة: تفكيك الولاية والأدوار الأسرية
المساواة في التنقل والإقامة، في ظاهرها تمكين، وفي باطنها:
– نفي إذن الزوج أو الولي، ولو كانت المرأة في ظروف أسرية تحتاج الحماية.
– اعتبار الطاعة الزوجية (تمييزًا) لا ميثاقًا أخلاقيًا لبنية الأسرة.
– تسطيح العلاقة الزوجية إلى علاقة قانونية باردة، بلا قوامة أو رحمة.
هكذا، تُحوِّل سيداو الأسرة من مجال رحمة وترابط إلى ساحة استقلال قانوني جامد.
خلاصة هذه البنود
ليست هذه البنود مجرد تفاصيل تشريعية؛ إنها جزء من سردية شاملة تسعى إلى إزاحة الوحي عن عرش التشريع، وإحلال القانون الدولي مكانه، باسم الحرية والمساواة.
وبين كل مادة، يُطرح سؤال:
*هل الشريعة تميّز، أم تُوازن؟
وهل الفطرة قيد، أم حكمة؟
وهل الحرية بلا ضوابط نجاة، أم هلاك؟*
هذه البنود لا تكتفي بنقد التشريعات الدينية، بل تسعى إلى إعادة هندسة المجتمع، بدءًا من الأسرة مرورًا بالهوية وحتى العقيدة نفسها.
رؤية شرعية في العدالة
العدالة في الشريعة ليست تماثلًا حسابيًا، بل توازن بين المسؤوليات، الفطرة، والتكليف. فالقرآن لا يساوي بين الذكر والأنثى في الإرث مثلًا لأن كلًا منهما يحمل أعباء مختلفة في الحياة الأسرية والمالية. في حين ترى سيداو أن الإنصاف لا يتحقق إلا بالمساواة المطلقة، حتى لو خالفت طبيعة النفس والكون.
استلاب الوعي باسم الحرية
تُغلف سيداو بنودها بعبارات حقوقية براقة، إلا أنها تحمل في طياتها نمطًا قيميًا غربيًا لا يعترف بالمرجعية الدينية، بل يُعيد صياغة الهوية على أساس فرداني متحرر من الضوابط. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: ليس فقط في المحتوى، بل في إعادة تشكيل الوعي والذوق الجماعي وفق منطق أممي مفصول عن الروح والخصوصية.
الموقف المطلوب
ليس الرفض المطلق هو الحل، ولا الخضوع غير المشروط كذلك. بل يجب:
– إعادة قراءة الاتفاقية في ضوء الشريعة والهوية الحضارية.
– حشد الموقف الفقهي والقانوني لمواجهة البنود المتعارضة.
– رفع التحفظات بالبيان والبرهان، لا بالصمت أو التسليم.
– تقديم بدائل تشريعية عادلة ومنبثقة من الدين والفطرة.
النهايه
ما بين قداسة النص القرآني وسلطة الاتفاق الدولي، يقف العقل المسلم على مفترق طرق:
إما أن يذوب في موجة الحقوق المنزوعة من جذورها،
أو أن يصوغ العدالة من قلب الوحي، ويخاطب العالم بحكمة لا تنازل فيها عن العقيدة ولا انغلاق على الذات.
فالسيداو ليست قرآنًا، والقرآن ليس وثيقة تفاوضية. إنها معركة بين روح السماء وسقف الأرض، وبينهما الإنسان المسلم،
وفي يده المصحف، وفي قلبه الوعي، وفي عقله النقد.