أزمة المياه في العراق: من نهر الحضارات إلى نداء الإنقاذ

ضياء المهندس

رغم أن العراق يُعرف تاريخيًا كـ”بلاد الرافدين”، حيث نشأت أعظم الحضارات على ضفاف دجلة والفرات، إلا أن الواقع المعاصر يُظهر صورة قاتمة ومقلقة: العراق يواجه أزمة مياه وجودية، تهدد أمنه الغذائي، واستقراره الاجتماعي، بل وكيانه الجغرافي إذا استمرت الاتجاهات الحالية دون تدخل جاد.

🔻 أولًا: الأرقام تتكلم – مؤشرات على حافة الكارثة

📉 انخفاض الإيرادات المائية: بحسب وزارة الموارد المائية، انخفضت واردات العراق من المياه بنسبة 50% خلال العقدين الأخيرين، ووصل الانخفاض في بعض المناطق إلى 80% خلال الصيف الماضي.

🧍 نصيب الفرد: تراجع نصيب الفرد العراقي من المياه إلى أقل من 300 متر مكعب سنويًا عام 2023، وهو أقل بكثير من حدّ الفقر المائي المعتمد دوليًا (1000 م³/فرد/سنة).

🏞️ جفاف الأهوار: حسب تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، تقلّصت مساحة الأهوار العراقية بنسبة 60% منذ عام 2000، ما أدى إلى نزوح آلاف العوائل من المناطق الجنوبية.

🧑🌾 القطاع الزراعي: 70% من الأراضي الزراعية في المحافظات الوسطى والجنوبية خرجت من الخدمة جزئيًا أو كليًا خلال السنوات الثلاث الماضية بسبب شح المياه.

💧 نسبة الهدر: تقارير وزارة التخطيط العراقية تشير إلى أن أكثر من 40% من المياه تهدر نتيجة شبكات الري القديمة والتسربات في الأنابيب وسوء الإدارة.

🔻 ثانيًا: حوادث مائية مفصلية

🔹 سد إليسو التركي (2020):

عند افتتاحه رسميًا، تسبب في خفض مناسيب نهر دجلة إلى مستويات غير مسبوقة.

أدى ذلك إلى جفاف عشرات الكيلومترات من مجرى النهر في نينوى وصلاح الدين.

🔹 جفاف نهر ديالى (2021):

بسبب قطع إيران تدفق نهر سيروان، توقف جريان نهر ديالى بالكامل لفترة تجاوزت 40 يومًا.

أثر ذلك بشكل مباشر على مياه الشرب والزراعة في بعقوبة وخانقين والمقدادية.

🔹 كارثة البصرة (2018):

تلوّث مياه شط العرب بملوحة عالية ومواد سامة أدى إلى إصابة أكثر من 100,000 مواطن بالتسمم.

الأزمة كشفت هشاشة البنية التحتية للمياه الصالحة للشرب في أقصى الجنوب العراقي.

🔻 ثالثًا: الأسباب المتداخلة للأزمة

1. السياسات المائية لدول الجوار:

• تركيا بنت أكثر من 22 سدًا ضمن مشروع “غاب”، أبرزها سد إليسو الذي أثر بشكل كبير على دجلة.

• إيران حولت مجرى 6 روافد رئيسية كانت تغذي دجلة، مثل نهر الكرخة ونهر الوند.

2. التغير المناخي:

العراق يُصنف من بين خمس دول هي الأكثر تضررًا من التغير المناخي عالميًا.

سجلت درجات الحرارة صيف 2023 أرقامًا قياسية تجاوزت 53° مئوية في الجنوب.

3. سوء الإدارة الداخلية:

_غياب سياسة مائية واضحة واستراتيجية وطنية شاملة.

_ مشاريع تحلية المياه ومعالجة الصرف الصحي ما زالت محدودة جدًا، رغم الحاجة الماسة لها.

4. التلوث:

– ارتفاع معدلات التلوث الصناعي والصحي في الأنهر، خاصة دجلة وشط العرب.

– أكثر من 60% من المياه المستخدمة في بغداد غير صالحة للشرب مباشرة دون معالجة، حسب تقارير وزارة الصحة.

🔻 رابعًا: مقترحات استراتيجية للحل

1. اعتماد دبلوماسية مائية ذكية:

+ تفعيل اتفاقيات المياه مع تركيا وإيران عبر وساطة الأمم المتحدة.

+ استثمار أوراق القوة الاقتصادية والدبلوماسية، وتدويل الملف إذا لزم الأمر.

2. بناء منظومة إدارة مياه حديثة:

• تحديث شبكات الري، والانتقال من الري بالغمر إلى الري بالتنقيط والرش.

• إنشاء خزانات وسدود صغيرة في المناطق الجافة لتخزين مياه الأمطار والسيول.

3. تنويع مصادر المياه:

_التوسع في تحلية مياه البحر في البصرة والفاو.

_ إنشاء محطات معالجة مياه الصرف الصحي لاستخدامها في الزراعة والصناعة.

4. إشراك المجتمع والتوعية:

– إطلاق حملات إعلامية ومدرسية لترشيد استخدام المياه.

– فرض قوانين تلزم المؤسسات والمزارعين باستخدام تقنيات توفير المياه.

الخاتمة: الماء قضية أمن قومي

أزمة المياه في العراق لم تعد شأنًا بيئيًا فحسب، بل أصبحت قضية أمن قومي واستراتيجي. ومع استمرار العوامل الخارجية والداخلية المؤثرة، فإن الحل لا يمكن أن يكون جزئيًا أو مؤقتًا، بل يتطلب:

إرادة سياسية حقيقية…

إدارة مؤسساتية فعالة…

شراكة شعبية واعية…

إنقاذ ما تبقى من الموارد المائية في العراق هو معركة وجودية، تتطلب أن يتحرك الجميع – حكومة وشعبًا – قبل أن يجف ما تبقى من ماء دجلة والفرات.

البروفسور د.ضياء واجد المهندس

رئيس مجلس الخبراء العراقي