بين السياسة والعناد

كامل سلمان

السياسة ليست عناداً ، السياسة علم وتخطيط ودهاء . العناد أكثر الأحيان غباء وغرور وطيش . المعاند غالباً ما يضطر لأعطاء تنازلات أكبر مما يعطيها السياسي الحريف وربما تصل الأمور بالمعاند أن يرضى بالذلة في نهاية الأمر ، فالسياسة تستوجب حضور العقل والحكمة والمصالح بينما العناد يستوجب حضور المبادىء والعواطف والثبات على الرأي . دول المنطقة أبتليت بقادة معاندين يرضون بالهزيمة والخزي والعار ولا يرضون بأنصاف الحلول التي تحفظ كرامتهم وكرامة شعوبهم وهذا ما حدث مع صدام حسين وبشار الأسد والقذافي والسنوار وغيرهم واليوم إيران نموذجاً أخراً دخلت موسوعة العناد لتجرب حظها ، كلهم استنساخ متشابه . المشكلة ليست بالقائد المعاند وإنما المشكلة بالشعوب التي تتغنى وتتفاخر وتقف خلف القائد المعاند بشكل جنوني حتى وأن تسبب عناد القائد إلى هبوط هذه الشعوب إلى الحضيض ، رغم الأذى الذي سيلحق بهذه الشعوب سيرضون بما يصيبهم و سيبررون حالة الحضيض التي يصلون إليها بأنها أختبار رباني لتبيان صبرهم ، نعم هذا هو الواقع لأنهم لا يعلمون ، حتى بعض مثقفي هذه الشعوب لا يقلون غباءاً عن عامة الناس في دعمهم للقادة المعاندين بينما نراهم يسخرون من القادة الذين هم أهل السياسة ، لقد كان نوري السعيد قائداً سياسياً محنكاً واقعياً عندما كان رئيساً للوزراء في العراق إبان الحكم الملكي رأينا كيف جازاه الشعب العراقي حين قتلوه شر قتلة ثم قاموا بسحل جثته في الشوارع لأن هذه الشعوب ببساطة تعتبر السياسي الحكيم الذي يسعى لخدمة شعبه بأنه جبان وعميل ، أما القائد المعاند يعتبرونه شجاعاً وطنياً ، فما زال صدام حسين في نظر الكثير من العراقيين قائداً تأريخياً شجاعاً لأنه كان معانداً بينما أنور السادات الذي أعاد لمصر كرامتها وهيبتها واسترجع جميع الأراضي المحتلة من إسرائيل بالسياسة والدبلوماسية قالوا عنه خائن ورعديد ثم غدروا به وقتلوه . مازلت أتذكر خطبة المرشد الإيراني علي الخامنئي أيام كانت قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية تزحف نحو بغداد في العام 2003 م حيث قال حينها في خطبة صلاة الجمعة ( أن صدام حسين بغباءه وعناده جعل كرامة العراق والعراقيين تحت أقدام الجنود الأمريكان ) وها هو اليوم يفعل ما فعل صدام . الشيء الغريب أن أصل العناد صفة عربية صحراوية بدوية إنتقلت من الجزيرة العربية إلى سكان الأراضي والمدن المتحضرة التي غزاها العرب أبان الفتح الإسلامي لكن الأغرب أننا اليوم نلاحظ قادة وشعوب ومثقفي الجزيرة العربية ومن حولها من دول الخليج الذين هم معدن ومصدر العناد والذين هم من نقلوا لنا صفة العناد هم اليوم يتفننون بالسياسة والتعامل بعقول منفتحة مع الأحداث وتركوا بقية الشعوب التي غزوها من قبل يسبحون في مستنقع العناد والتخلف . أن شعار ( النصر أو الشهادة ) الذي يرفعه المعاندون في معاركهم المصيرية وطبعاً جميع معاركهم مصيرية هو شعار رائع وجميل ومثير للأحاسيس ولكن هذا الشعار له قيمته حين تكون الشجاعة والرجولة هي الصفة الحاسمة في المعارك وحين تكون أدوات المعركة لا تتعدى السيف والعصا والخيل المسومة فكيف تقنع هذه العقول بأن زمن العقل الاصطناعي هو ليس زمن السيف و ليس فيه رجولة وحمية ولا شجاعة ولا الصبر الجميل؟ إقناعهم مستحيل . منذ عشرات السنين ولحد يومنا هذا شعوب المنطقة تدفع فاتورة عناد قادتها . فبعنادهم ضاعت اجيال وأجيال وتيتمت الأطفال وثكّلت الأمهات وترملت النسوة وتخلفت الحياة وأنتهى التعليم وعم الفساد ، فبدل أن يعيدوا ما تم تدميره ويبعثوا للناس أملاً بالحياة قاموا بخلق الفتن الطائفية ، فلم ينتبه أحداً بأن العدو الحقيقي لهذه الشعوب هم قادتها المعاندين ، ، فكل قائد يسطع نجمه في زمن الدعوة القومية أو الدعوة الدينية أو الدعوة الطائفية في أية بقعة من بقاع هذه المنطقة يحمل في داخله بذور الإنتقام والدمار لشعبه وهو من يجلب الأعداء لسحق رأسه والمشهد يتكرر كل بضع سنين وتتكرر نفس النتائج ومازال الناس غافلون وجاهزون للتهليل مع قائد معاند جديد يبدأ عهده بشعار الله أكبر وتحرير القدس ليجعلوا من كل شاب يافع ( شهيداً سعيداً ) بدل أن يجعلوا منه حياً سعيداً لأن مفهوم السعادة عندهم ممنوعة على الأحياء .