يا وزير التعليم ..كفى تهديم ..

ضياء المهندس

التعليم التقني والمهني في العراق: إصلاح مؤجل واقتصاد معطل

لطالما كان التعليم المهني والتقني أحد أهم محركات التنمية الاقتصادية والاجتماعية في العالم. ففي الدول الصناعية الكبرى، يشكل هذا النوع من التعليم العمود الفقري لسوق العمل، بينما في العراق، ما زال يعاني من التهميش والازدراء الاجتماعي، فضلاً عن القرارات الارتجالية التي زادت وضعه سوءاً، مثل تحويل المعاهد التقنية إلى “كليات جامعية” دون رؤية استراتيجية واضحة.

هذا المقال يرصد واقع التعليم المهني والتقني في العراق، ويقارنه بتجارب دول رائدة مثل الولايات المتحدة وأوروبا والصين واليابان وكوريا الجنوبية، مدعماً بالإحصائيات التي تكشف حجم الخلل البنيوي في المنظومة التعليمية العراقية.

** العراق:

تضخم أكاديمي وانكماش مهني

تشير بيانات وزارة التعليم العراقية (2023) إلى أن أكثر من 85% من خريجي الجامعات هم من المسار الأكاديمي، مقابل أقل من 10% فقط من خريجي التعليم التقني والمهني.

في المقابل، هناك بطالة مقنعة في صفوف حملة الشهادات العليا: نسبة البطالة بين خريجي البكالوريوس والماجستير والدكتوراه تصل إلى 38% بحسب الجهاز المركزي للإحصاء، بينما يفتقر سوق العمل إلى عشرات الآلاف من الفنيين والمهنيين.

العراق يخرج سنوياً ما يقارب 250 ألف طالب جامعي، بينما لا يتجاوز خريجو المعاهد المهنية والتقنية 20 ألفاً فقط، في بلد يحتاج إلى عمالة وسطية أكثر بكثير من الأكاديميين.

** النموذج الأمريكي:

 التعليم المهني رافعة اقتصادية

في الولايات المتحدة، يلتحق نحو 40% من طلبة الثانوية بالمدارس المهنية أو البرامج التقنية (Vocational & Technical Education).

كليات المجتمع (Community Colleges) تخرج سنوياً أكثر من 12 مليون طالب، معظمهم مؤهلون للعمل كفنيين وتقنيين.

الاقتصاد الأمريكي يعتمد بشكل واسع على “middle-skill jobs” التي تشكل حوالي 53% من سوق العمل، مثل الفنيين في مجالات الكهرباء، الميكانيك، تكنولوجيا المعلومات، والرعاية الصحية.

** أوروبا: النموذج الألماني والازدواجية الناجحة

ألمانيا تقدم تجربة فريدة عبر نظام التعليم المزدوج (Dual System)، حيث يجمع الطالب بين الدراسة النظرية والتدريب العملي داخل الشركات.

حوالي 52% من الشباب الألمان يختارون التعليم المهني بعد الثانوية.

نسبة البطالة بين خريجي التعليم المهني لا تتجاوز 5%، مقابل نسب أعلى بين الأكاديميين في بعض التخصصات.

هذا النظام ساهم في جعل ألمانيا القوة الصناعية الأولى في أوروبا.

** الصين:

 الرهان على الكوادر التقنية

الصين تخصص ما يقارب 50% من مقاعد التعليم الثانوي للتعليم المهني والتقني.

أكثر من 30 مليون طالب يدرسون في المدارس والمعاهد المهنية.

الحكومة الصينية أعلنت استراتيجية “صنع في الصين 2025″، التي تعتمد على تطوير المهارات التقنية لرفع كفاءة التصنيع والتكنولوجيا.

 **اليابان وكوريا الجنوبية:

التحالف بين الصناعة والتعليم

في اليابان، حوالي 35% من طلبة الثانوية يتوجهون إلى التعليم المهني.

الشركات اليابانية الكبرى (تويوتا، سوني) لديها مدارس ومعاهد خاصة لتخريج كوادر فنية مؤهلة مباشرة للعمل.

كوريا الجنوبية خصصت ما يقارب 40% من طلبتها للتعليم المهني والتقني، وساهم ذلك في تحقيق نهضتها الصناعية خلال نصف قرن فقط.

موقع العراق الدولي:

إذا قارنا هذه الأرقام مع العراق نجد:

بينما توجه هذه الدول 30 – 50% من طلبتها نحو التعليم المهني والتقني، لا يتجاوز العراق 10%.

بينما يشكل التعليم المهني في تلك الدول الركيزة الأساسية للنمو الصناعي والإنتاجي، ينظر إليه في العراق كخيار أدنى و”ملاذ للفاشلين أكاديمياً”.

العراق يفتقر إلى الشراكات الحقيقية بين المعاهد التقنية وسوق العمل، فلا يوجد ربط واضح بين المناهج واحتياجات الاقتصاد، مما يجعل الخريجين غير قادرين على سد الفجوات في قطاعات الطاقة، البناء، الصناعة، والزراعة.

المستخلص:

 إصلاح قبل فوات الأوان

إن تحويل المعاهد التقنية إلى “كليات جامعية” لم يكن سوى محاولة تجميلية لمشكلة عميقة، بينما المطلوب هو:

1. إعادة الاعتبار للتعليم المهني عبر حملة وطنية إعلامية ومجتمعية.

2. إصلاح المناهج لتواكب حاجات السوق العراقي، مع ربطها بقطاعي الصناعة والطاقة.

3. اعتماد نظام التدريب المزدوج على غرار ألمانيا واليابان.

4. تخصيص 30% على الأقل من المقاعد للتعليم المهني والتقني خلال السنوات العشر القادمة.

5. تحفيز الاستثمار الصناعي الذي يخلق وظائف حقيقية للخريجين.

فمن دون منظومة تعليمية متوازنة تراعي أهمية التعليم المهني والتقني، سيبقى العراق أسير بطالة الأكاديميين وعجز الكفاءات الوسطى، ما يعني اقتصاداً ضعيفاً ونمواً معطلاً.

البروفسور د.ضياء واجد المهندس

رئيس مجلس الخبراء العراقي