المنهج المقارن في الفقه الإسلامي: بين التأصيل والتجديد

حسين شكران الأكوش العقيلي

في قلب الحراك الفكري المعاصر، يبرز المنهج المقارن في الفقه الإسلامي كأداة معرفية تتجاوز مجرد المقارنة الشكلية بين المذاهب، لتغدو مدخلًا حضاريًا لفهم التنوع الفقهي بوصفه تعبيرًا عن حيوية الاجتهاد الإسلامي، لا عن تشرذم أو تناقض. إن هذا المنهج لا يكتفي بعرض الأقوال وتوثيق الاختلافات، بل يسعى إلى تفكيك البنية المعرفية التي أنتجت تلك الأقوال، وتحليل السياقات التاريخية والاجتماعية التي أحاطت بها، في محاولة لاستعادة روح الاجتهاد الأصيل، وتحريره من أسر التقليد الجامد.

من خلال هذا المعنى ان الفقه المقارن،، ليس مجرد تقنية أكاديمية، بل هو موقف فكري يتطلب شجاعة في مواجهة الموروث، ووعيًا نقديًا يعيد الاعتبار للفقه بوصفه علمًا حيًا يتفاعل مع الواقع، لا نصًا مغلقًا يُستعاد في كل عصر بنفس الأدوات. فالتأصيل في هذا السياق لا يعني الانغلاق على النصوص، بل الانفتاح عليها من خلال فهم مقاصدها، واستيعاب عللها، وربطها بالتحولات المجتمعية التي تفرض أسئلة جديدة على العقل الفقهي.

لوقد نشأ الفقه المقارن في سياق الحاجة إلى تجاوز الانقسامات المذهبية، وتقديم رؤية علمية تتيح للباحث أن يتعامل مع التراث الفقهي بوصفه وحدة معرفية متعددة الأصوات، لا ساحة صراع بين فرق متنازعة. ومن هنا، فإن المنهج المقارن لا يهدف إلى ترجيح مذهب على آخر، بل إلى كشف منطق الاختلاف، وتقديمه بوصفه إثراءً لا تهديدًا. وهذا يتطلب أدوات تحليلية دقيقة، تبدأ من فهم أصول كل مذهب، وتصل إلى تحليل بنيته الاستدلالية، دون الوقوع في فخ التبسيط أو التعميم.

إن التجديد في الفقه المقارن لا يعني القطيعة مع التراث، بل يعني إعادة قراءته في ضوء الأسئلة المعاصرة، وتحريره من القيود التي فرضتها عليه السياقات السياسية والاجتماعية في مراحل الانحطاط. فالتجديد هنا هو فعل تأويلي، يعيد بناء العلاقة بين النص والواقع، ويستثمر أدوات العصر في خدمة مقاصد الشريعة، دون أن يفقد الفقه هويته أو يتحول إلى خطاب وظيفي يفتقر إلى العمق.

ولعل من أبرز التحديات التي تواجه المنهج المقارن اليوم، هي تلك النظرة التي تختزل الفقه في مجرد قواعد قانونية، وتغفل عن كونه علمًا إنسانيًا يتعامل مع الواقع المتغير، ويحتاج إلى أدوات تحليلية تتجاوز الحرفية النصية نحو فهم أوسع للإنسان والمجتمع. إن الفقه المقارن، حين يُمارس بوعي تأصيلي وتجديدي، يمكن أن يكون جسرًا حضاريًا بين المذاهب، ورافعة فكرية لتجاوز الانقسامات، وبوابة لإنتاج خطاب إسلامي جامع يتجاوز الطائفية والانغلاق.

في هذا السياق، يصبح المنهج المقارن ضرورة معرفية وأخلاقية، لا مجرد خيار أكاديمي. فهو يتيح للباحث أن يتحرر من أسر الانتماء الضيق، ويعيد الاعتبار للفقه بوصفه علمًا تراكميًا، لا ملكية حصرية لمذهب أو جماعة. كما أنه يفتح الباب أمام بناء خطاب فقهي جديد، يتسم بالشفافية والعمق، ويخدم العدالة الاجتماعية، ويستجيب لتحديات العصر دون أن يتخلى عن جذوره.

إن إعادة الاعتبار للفقه المقارن، بوصفه منهجًا تأصيليًا وتجديديًا، هي خطوة نحو استعادة الفقه الإسلامي لدوره الحضاري، وتحريره من التوظيف السياسي أو الطائفي، وإعادته إلى موقعه الطبيعي كعلم يسعى إلى فهم الإنسان وتنظيم حياته وفق قيم العدل والرحمة والمصلحة. وهذا يتطلب جهدًا فكريًا أصيلًا، يرفض السطحية، ويطالب بالأصالة، ويؤمن بأن التأمل والبطء يكشفان المعنى الحقيقي، ويؤسس لخطاب يتجاوز الانقسام، ويخاطب الإنسان في جوهره، لا في انتمائه.