إيهاب مقبل
في العراق، لا يمكن اختزال التدخين في كونه عادة شخصية أو خيارًا فرديًا، بل هو أزمة صحية واجتماعية واقتصادية متجذّرة تنخر جسد المجتمع بصمت. فالأرقام وحدها كفيلة بكشف حجم الكارثة: يُنفق العراقيون ما يقارب 3 مليارات دينار عراقي (مليوني دولار أمريكي) يوميًا على منتجات التبغ، وفقًا للبرنامج الوطني لمكافحة التبغ التابع لوزارة الصحة العراقية، في بلد لا يزال يعاني من ضغوط اقتصادية وخدمات صحية محدودة.
وتشير تقديرات مشروع أطلس التبغ (Tobacco Atlas) إلى أن التدخين في العراق يتسبب في أكثر من 35 ألف وفاة سنويًا، أي ما يعادل تقريبًا نحو 90 إلى 100 وفاة يوميًا (بمتوسط يقارب 96 وفاة يوميًا)، وهو رقم يفوق عدد ضحايا العنف في بعض الفترات السابقة، ويعكس في الوقت نفسه عبئًا صحيًا هائلًا يكشف حجم الأزمة بعيدًا عن ضجيج الأخبار اليومية. وإجمالًا، فإن نحو 15.65% من جميع الوفيات في العراق تُعزى إلى استخدام التبغ.
التدخين في العراق ليس هامشيًا، بل واسع الانتشار، حيث يُقدَّر معدل انتشاره بحوالي 31% بين الرجال و4% بين النساء بحسب دراسة منشورة في قاعدة بيانات المكتبة الوطنية للطب الأمريكية (PMC)، وهي دراسة تحليلية تتناول وضع التبغ في العراق في مرحلة ما بعد النزاعات.
ومع تزايد مقلق بين فئة الشباب، تشير دراسة منشورة في مجلة Cureus العلمية، وأجراها باحثون من جامعة الموصل، إلى أن 24.5% من طلاب المدارس جربوا التدخين، وأن نسبة الذكور منهم تصل إلى 30%، مقابل 7% بين الإناث. هذه الأرقام لا تعكس فقط سلوكًا فرديًا، بل تشير إلى بيئة اجتماعية تسمح بانتشار الظاهرة، بل وتُطبعها أحيانًا كجزء من الحياة اليومية.
لماذا يفشل العراق في كبح التدخين؟
رغم وجود قوانين تحظر التدخين في الأماكن العامة منذ عام 2009، إلا أن الواقع مختلف تمامًا. فالتطبيق ضعيف، والرقابة شبه غائبة، ما يجعل القانون أقرب إلى “نص على الورق” منه إلى أداة تغيير حقيقية. ولا تزال الإعلانات الترويجية للتبغ تظهر في الشوارع، وحتى قرب المدارس والمستشفيات.
كما أن أسعار السجائر في العراق تُعد من بين الأرخص عالميًا، إذ تُباع بعض العلب بأقل من دولار واحد، مع ضرائب لا تتجاوز 50%، ما يجعل الوصول إليها سهلًا حتى للمراهقين.
الفرق الضريبي: العراق مقابل السويد
في العراق، تُفرض على منتجات التبغ ضرائب تُقدَّر بحوالي 50% أو أقل من سعر العلبة، وهو مستوى لا يزال يسمح ببقاء السجائر في متناول أغلب الفئات.
أما في المقابل، ففي السويد، تصل الضرائب على التبغ (بما فيها ضريبة الاستهلاك وضريبة القيمة المضافة) إلى نحو 80% أو أكثر من سعر السجائر، ما يجعل التدخين هناك من الأعلى تكلفة في أوروبا ويحولها إلى أداة ردع فعّالة.
السويد: كيف انتصرت على التدخين؟
على النقيض تمامًا، تقدّم السويد نموذجًا استثنائيًا في مكافحة التدخين. ففي عام 2024، بلغت نسبة المدخنين اليوميين هناك 5.4% فقط، وهي من أدنى النسب عالميًا، مقارنة بمتوسط 24% في الاتحاد الأوروبي، وذلك بحسب بيانات وكالة الصحة العامة السويدية.
ولم يكن هذا الإنجاز وليد الصدفة، بل نتيجة استراتيجية طويلة الأمد بدأت منذ عقود، ونجحت في تحقيق هدف منظمة الصحة العالمية بخفض نسبة التدخين إلى أقل من 20% منذ عام 2000.
من القانون إلى الثقافة: كيف غيّرت السويد المعادلة؟
ما فعلته السويد يتجاوز مجرد سنّ القوانين. فقد تم حظر التدخين في المطاعم والحانات منذ عام 2005، ثم توسّع الحظر في 2019 ليشمل الأماكن العامة المفتوحة مثل محطات الحافلات والقطارات والملاعب. لكن الأهم هو أن هذه القوانين تم تطبيقها بصرامة دون استثناءات.
بالتوازي، رفعت الحكومة الضرائب على التبغ بشكل كبير، ما جعل التدخين مكلفًا وغير جذاب، خصوصًا للشباب. كما أُطلقت حملات توعية غيّرت الصورة الذهنية للتدخين، فلم يعد يُنظر إليه كرمز للحرية أو الرجولة، بل كخطر صحي واضح.
كما دعمت الدولة برامج الإقلاع عن التدخين، وقدمت بدائل وخدمات مساعدة، ما جعل المدخن لا يُترك وحده في مواجهة الإدمان.
النتائج: صحة أفضل وضغط أقل على النظام الصحي
النتيجة المباشرة لهذه السياسات كانت انخفاضًا كبيرًا في معدلات الأمراض المرتبطة بالتدخين مثل أمراض القلب والرئة والسرطان، وهو ما انعكس على تقليل الضغط على النظام الصحي وخفض التكاليف الطبية.
في المقابل، لا يزال العراق يدفع ثمن التدخين مرتين: مرة من جيوب مواطنيه، ومرة من صحة شعبه.
العراق أمام اختبار صحي قد يحدد مستقبل جيل كامل
المشكلة في العراق ليست في غياب المعرفة، بل في غياب التنفيذ الفعلي. فالنموذج السويدي يثبت أن التغيير ممكن عندما يصبح التدخين مكلفًا، ومرفوضًا اجتماعيًا، ومُحاصرًا قانونيًا.
أما استمرار الوضع الحالي، فيعني المزيد من الوفيات، والمزيد من الأمراض، والمزيد من الضغط على نظام صحي يعاني أصلًا.
الخلاصة: القرار بيد العراق
التجربة تثبت أن التغيير ممكن، لكنه لا يحدث بالشعارات ولا بالنصوص القانونية وحدها، بل بإرادة سياسية واضحة وسياسات تُنفّذ على أرض الواقع.
ما بين العراق والسويد ليس اختلافًا في الطبيعة أو الثقافة بقدر ما هو اختلاف في طريقة التعامل مع المشكلة.
في العراق، يتحول التدخين إلى عبء اقتصادي وصحي واجتماعي يتفاقم عامًا بعد عام، بينما في دول أخرى يُعامل كأزمة وطنية تُواجه بالضرائب الصارمة، والتشريعات الفعّالة، والتوعية، والدعم العلاجي.
إن استمرار الوضع الحالي يعني تراكم خسائر يمكن تفاديها: وفيات كان يمكن منعها، وأمراض كان يمكن تجنبها، وكلفة صحية كان يمكن تقليلها.
أما التغيير الحقيقي فيبدأ عندما يُنظر إلى التدخين ليس كعادة، بل كتهديد مباشر للصحة العامة والتنمية.
السويد لم تصل إلى نتائجها بالصدفة، بل بالقرار والتنفيذ.
والسؤال في العراق لم يعد: ما الحل؟ بل أصبح: هل هناك إرادة لبدء الحل؟
المراجع
العراق ينفق مليوني دولار يوميا على منتجات التبغ ووزارة الصحة تدق ناقوس الخطر، الأخبار العراقية، 3 فبراير شباط 2025
Iraq spends $2 million daily on tobacco products as health ministry raises alarm
مشروع أطلس التبغ، وفيات التدخين في العراق سنويًا: 35,024 حالة وفاة
التبغ في مناطق ما بعد النزاعات: حالة العراق، قاعدة بيانات المكتبة الوطنية للطب الأمريكية، 28 أبريل نيسان 2017
https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC5440183/
انتشار التدخين بين طلاب المدارس في العراق، مجلة Cureus العلمية، 16 أغسطس آب 2024
https://www.cureus.com/articles/282321-prevalence-of-smoking-among-school-students-in-iraq#!/
استخدام منتجات التبغ والنيكوتين، وكالة الصحة العامة السويدية، 12 أغسطس آب 2024
https://www.folkhalsomyndigheten.se/the-public-health-agency-of-sweden/living-conditions-and-lifestyle/andtg/tobacco/use-of-tobacco-and-nicotine-products/
انتهى