ظاهرة الملحد المتطرف

كامل سلمان

كلنا سمعنا عن المتدين المتطرف أو القومي المتطرف والعنصري المتطرف وغيرهم من المتطرفين الذين يسببون الضرر للمجتمع في كل زمان ومكان لكننا لم نسمع عن الملحد المتطرف . في البداية أحاول تعريف المتطرف هو ذلك الإنسان الذي يميل كل الميل لمعتقده المتشدد ويصل به الحال أن ينتزع من كيانه القيم الأخلاقية فيصبح كارهاً لكل من يخالفه ويختلف معه فيسعى إلى فرض اعتقاده على الأخرين حتى ولو بالقوة . الإلحاد حالة طبيعية منذ أن نشأ الدين فهو حق الإنسان أن يعتقد بما يشاء ولكن ليس من حقه مهاجمة الأخرين على معتقداتهم وأفكارهم ويسيء اليهم فهذا تطرف ، فعندما يعلن بعض الناس إلحادهم هذا حقهم ، أما أن يتحول إلحادهم إلى كراهية وأنتقام فهذا ليس من حقهم ، هنا سيقع الملحد بنفس الخطأ الذي وقع فيه المتدينون المتطرفون والعنصريون المتطرفون فبدل أن يصبح هذا الإنسان صاحب رسالة إصلاحية هدفه بناء المجتمع وإبعادهم عن طرق الشر يصبح هو جزءاً من منظومة الشر وجزءاً من التلوث البيئي الاجتماعي . الملحدون يكثرون كل يوم ويزدادون عددا ونلاحظ منشوراتهم وتعليقاتهم في الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي إلا أن المؤسف أن تخرج منهم طبقة تنتقد وتنشر بشكل فاقد لكل القيم الأخلاقية وكأننا بحاجة إلى المزيد من المناكفات العقيمة التي دمرت مجتمعاتنا ( يسبون ويشتمون ويتلفظون بكلمات بعيدة كل البعد عن القيم الأخلاقية ) . المعروف عن الملحد هو ذلك الإنسان الذي قرأ ودرس وتفهم مشاكل الناس وتوصل إلى حقيقة مفادها أن العقائد الدينية أساس المشاكل بذلك يكون هذا الإنسان قد جاء من خلفية ثقافية وتعليم مكثف بغض النظر عن صحة أراءه فيكون هدفه بالحياة نشر الوعي الذي يعتقده بأسلوب أخلاقي يميزه عن كل من هو أعمى لا أن يصبح هو الأخر عيب جديد في المجتمع ، قديماً كنا نعيب الشيوعيون بأنهم ملحدون لكن لم نستطع أن نعيب قيمهم الأخلاقية لأن أخلاقهم كانت علامة مميزة يشهد لها الداني والقاصي . الناس في المجتمعات الغربية غالبيتهم لهم نظرة لا دينية للحياة لكن إنسانيتهم وأخلاقيتهم تعلو على كل شيء، يحترمون جميع العقائد رغم عدم أيمانهم بها وكذلك قوانينهم تفعل الشيء ذاته . فهل هذا حظ مجتمعاتنا أن يصبح الملحدين جزءاً من الخراب الذي يعم بلداننا وجزءاً من الفوضى؟ نحن بحاجة إلى الناس الذين تكون معتقداتهم مليئة بالإنسانية والأخلاق مهما كانت هذه المعتقدات لأن الإنسانية والأخلاق هي التي تنفع الناس وليس المعتقد ، المعتقد بالنهاية هو شأن شخصي يخص ذات الشخص لكن الإنسانية والأخلاق تخص الجميع . . من الجميل أن نرى في المجتمع تنوع فكري ، مثل هذا التنوع يكون محفزاً للأبداع وللتعارف وتوسيع الأفاق العقلية وأحياناً للتنافس الإيجابي فيكون سبباً من أسباب رقي المجتمع وازدهاره ، خصلة التنوع الفكري والعقائدي يمتاز بها مجتمعنا أكثر من جميع الأمم لكن السؤال لماذا التنوع الفكري خدم بقية الأمم وأعطى ثماره في الوقت الذي تحول التنوع الفكري عندنا إلى لعنة دائمة وسبب من أسباب التخلف والتراجع ؟ الجواب ببساطة التنوع الفكري عندنا ممزوج بالتطرف والتعالي فكلهم يعتقدون بأنهم على صواب والآخرين في ضلالة .. بإختصار مفيد غالبية حمَلة الأفكار والمعتقدات في مجتمعاتنا هم من الجهلاء الذين حملوا الأفكار وهم يجهلون ماهيتها كما تحمل الدواب الشيء الثمين فأعتقدوا بقرارة أنفسهم أنهم أصحاب معتقدات لكنهم بالحقيقة ليسوا سوى توصيل ناقل .