الأغاوات المزيفون وشيوخ التملق ـ كردستان بين الألقاب المزيفة والزعامة الحقيقية

يحيى هركي

منذ زمن بعيد شكّل لقب الأغا عند الأكراد رمزًا للوجاهة والقيادة العشائرية بينما كان لقب الشيخ أكثر التصاقًا بأخوتنا العرب والعشائر العربية في كردستان لم يكن الناس يستعملون كلمة الشيخ إلا في نطاق محدود عند بعض الطرق الصوفية كالطريقة القادرية أو الكزنزانية أما في الحياة الاجتماعية والسياسية فقد كان لقب الأغا هو الأكثر شيوعًا إذ لم يكن هناك سوى شخص واحد في العشيرة يُسمى بالأغا وكان يتحمل ثقلًا كبيرًا على عاتقه في حل مشاكل الناس يتدخل في قضايا الزواج والطلاق والدم يساعد من يلجأ إليه لإخراج أحد أبنائه من السجن أو يقف معه في مواجهة ضائقة مالية أو نزاع عشائري وكان الأغا آنذاك ينفق من ماله الخاص ويضحي بنفسه وبمكانته دفاعًا عن عشيرته بل إن البعض كان يخسر حياته في هذه المواجهات وهو يؤدي هذا الدور ولذلك كانت الكلمة تحمل معنى عميقًا ومسؤولية.

لكن بعد سقوط النظام العراقي عام 2003 تغير المشهد بشكل كبير حيث انتشرت الألقاب بشكل غير مسبوق وصار كل فرد من عائلة الأغا يُسمى أغا أو شيخ حتى أبناء العمومة والأقارب وأصبح الناس يتسابقون على استخدام هذه الكلمات أحيانًا بدافع التملق وأحيانًا بدافع النفوذ الحزبي فالأحزاب السياسية في كردستان ساهمت في تغذية هذه الظاهرة من خلال توزيع الأموال والامتيازات على بعض العائلات المؤثرة فتحول الأغا من راعٍ لعشيرته إلى مجرد وسيط بين الحزب وأبناء قومه يضغط عليهم بالمال تارة وبالنفوذ تارة أخرى وفقدت الكلمة قيمتها الأصلية وصارت مجرد وسيلة للهيمنة على الناس أكثر منها رمزًا للخدمة والتضحية.

ورغم هذا التضخم المصطنع بقيت هناك شخصيات كردية يستحقون كل الالقاب . ولكنهم رفض هذه المبالغة وتمسك بالتواضع وأذكر هنا تجربتي الشخصية حين التقيت بالسيد دلشاد البارزاني لأول مرة في ألمانيا كنت أحمل في قلبي احترامًا كبيرًا له فناديته يا شيخ دلشاد ظنًا مني أن هذا هو التعبير اللائق لكنه ابتسم بلطف وقال لي بالحرف الواحد أرجوك لا تقل لي شيخ نادني فقط كاك دلشاد أنا لست شيخًا وأضاف أن كلمة الشيخ أكبر من أن يحملها أي إنسان بلا مسؤولية حقيقية وأن الألقاب ليست مهمة بقدر ما هي الأفعال . حينها ادركت أنني أمام إنسان متواضع لا يبحث عن الوجاهة بل عن الاحترام الصادق وهذه الروح نفسها نجدها عند الرئيس مسعود البارزاني الذي يفضل أن يُنادى بـ”كاك مسعود” بدلًا من الألقاب الضخمة مثل الرئيس أو الزعيم . والرئيس الراحل جلال طالباني بدوره أحب أن يُنادى بـ”مام جلال” أي العم جلال في إشارة إلى روح التواضع والود التي تميّزت بها زعامته. كما نجدها عند رئيس حكومة الإقليم السيد مسرور البارزاني الذي رفض منذ توليه المنصب جميع الألقاب واكتفى بكلمة “براكورا” أي الأخ الكبير وهذا قمة التواضع. وفي المناطق المزورية لا يحبذون الأغوات استخدام كلمة “آغا” ويفضلون كلمة “مام  أي العم لأنها تعبّر عن المساواة ولا تمنح أحدًا تفوقًا على الآخرين.

ومع ذلك لا يستطيع هؤلاء المتواضعون دائمًا أن يمنعوا الناس من التملق .فالبعض يجد في المبالغة في الألقاب وسيلة للتقرب إلى المسؤولين أو الوجهاء . في منطقة به‌هدينان مثلًا يكثر هذا السلوك بشكل ملحوظ وأكبر من منطقة السوران حيث يضخم الناس المسؤولين بألقاب كبيرة وفي المقابل يُذلون أنفسهم ويُظهرون تبعية مفرطة وهذه الظاهرة ليست طبيعية لأنها تُضعف قيمة الإنسان وتجعله يضع نفسه في موقع أقل شأنًا مقابل رفع الآخر فوق حجمه الحقيقي.

أما عن دور هؤلاء الأغوات تجاه عشائرهم . فيبدو أنه يختلف من شخص لآخر فالبعض لا يزال يحافظ على تقاليد المساعدة والوقوف إلى جانب أفراد عشيرته سواء في حل النزاعات أو في تقديم العون المادي والمعنوي والبعض تغير أكثر من اللازم.

الخلاصة:

إن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بالصمت أو بالتذمر فقط بل تحتاج إلى حلول حقيقية أولها أن نعيد معنى اللقب إلى مكانه الصحيح . فلا يُمنح إلا لمن يثبت تضحية ومسؤولية حقيقية . وثانيها أن يتوقف الناس عن التملق فالكرامة لا تُشترى ولا تُباع . ومن يذل نفسه برفع من لا يستحق يهدم مجتمعه بيده وثالثها أن تُوقف الأحزاب لعبة شراء الأغوات والشيوخ بالمال والمناصب لأن هذه اللعبة لم تعد تبني سلطة بل تزرع الفساد والانقسام . ورابعها أن يتعلم الجيل الجديد أن احترام الإنسان يكون بأفعاله لا بألقابه وأن المجتمع الذي يوزع الألقاب بالمجان لا ينتج قادة بل ينتج دمى خشبية.  إذا أردنا كردستان قوية فلا بد من كسر هذه الدائرة المفرغة لا بد من إسقاط هيبة الألقاب المزيفة ورفع قيمة العمل الصادق . لا بد من أن يقول الناس كلمتهم بوضوح ويمنعوا أي شخص من استغلال اسم الأغا أو الشيخ لأهداف حزبية أو مالية عندها فقط تعود الزعامة إلى معناها الحقيقي وتعود الكلمة إلى وزنها التاريخي ويعود للشعب كرامته التي ضاعت بين حفلات التملق والألقاب الفارغة..