آيات قرآنية في کتاب معجم الفروق اللغويه للعسكري (ح 25) (الحلم والصبر، الحلال والطيب، الحيلة والمكر)‎

فاضل حسن شريف

جاء في کتاب معجم الفروق اللغوية بترتيب وزيادة للمؤلف أبو هلال العسكري: الفرق بين الحلال والطيب يقول أبو هلال العسكري: قال بعض أصحابنا: الحلال والطيب وإن كانا متقاربين، بل متساويين في اللغة، إلا أن المستفاد من الأخبار أن بينهما فرقا في عرف الائمة عليهم السلام. انتهى. وكان الفرق هو أن الطيب: ما هو طيب في ظاهر الشرع سواء كان طيبا في الواقع أم لا. والحلال: ما هو حلال وطيب في الواقع لم تعرضه النجاسة والخباثة قطعا، ولم تتناوله أيدي المتغلبة أصلا. وقد ورد أنه قوت الانبياء عليهم السلام، وأنه نادر جدا، وأما ما وقع من طلبه في بعض الادعية فالمراد به ما هو بمعنى الطيب. وهذا ولا يخفى أن الغالب استعمال الطيب بمعنى المستحسن المرغوب فيه، ويقابله الخبيث، وقد حكي في شأن نزول قوله تعالى: “أنفقوا من طيبات ما كسبتم” (البقرة 267). أنهم كانوا يأتون أخبث الثمر وأرداه فيخرجونه في زكواتهم وصدقاتهم، فنهوا عنه.

وعن الفرق بين الحلم والصبر يقول العسكري في كتابه: أن الحلم هو الامهال بتأخير العقاب المستحق، والحلم من الله تعالى عن العصاة في الدنيا فعل ينافي تعجيل العقوبة من النعمة والعافية، ولا يجوز الحلم إذا كان فيه فساد على أحد من المكلفين وليس هو الترك لتعجيل العقاب لأن الترك لا يجوز على الله تعالى لأنه فعل يقع في محل القدرة يضاد المتروك ولا يصح الحلم إلا ممن يقدر على العقوبة وما يجري مجراها من التأديب بالضرب وهو ممن لا يقدر على ذلك ولهذا قال الشاعر: لا صفح ذل ولكن * صفح أحلام. ولا يقال لتارك الظلم حليم إنما يقال حلم عنه إذا أخر عقابه أو عفا عنه ولو عاقبه كان عادلا، وقال بعضهم ضد الحلم السفه، وهو جيد لان السفه خفة وعجلة وفي الحلم أناة وإمهال، وقال المفضل السفه في الاصل قلة المعرفة بوضع الامور مواضعها وهو ضعف الرأي، قال أبو هلال: وهذا يوجب أنه ضد الحلم لان الحلم من الحكمة والحكمة وجود الفعل على جهة الصواب، قال المفضل: ثم أجري السفه على كل جهل وخفة يقال سفه رأيه سفها، وقال الفراء: سفه غير متعد وإنما ينصبب رأيه على التفسير، وفيه لغة أخرى سفه يسفه سفاهة، وقيل السفيه في قوله تعالى “فإن كان الذي عليه الحق سفيها” (البقرة 282) هو الصغير وهذا يرجع إلى أنه القليل المعرفة، والدليل على أن الحلم أجري مجرى الحكمة نقيضا للسفه قول المتلمس: لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا * وما علم الانسان إلا ليعلما أي لذي المعرفة والتمييز، وأصل السفه الخفة ثوب سفيه أي خفيف، وأصل الحلم في العربية اللين ورجل حليم أي لين في معاملته في الجزاء على السيئة بالاناة، وحلم في النوم لان حال النوم حال سكون وهدوء واحتلم الغلام وهو محتلم وحالم يرجع إلى قولهم حلم في النوم، وحلمة الثدي الناتئ في طرفه لما يخرج منها من اللبن الذي يحلم الصبي وحلم الاديم ثقل بالحلم وهو قردان عظيمة لينة الملمس وتحلم الرجل تكلف الحلم. والصبر حبس النفس لمصادفة المكروه، وصبر الرجل حبس نفسه عن إظهار الجزع، والجزع إظهار ما يلحق المصاب من المضض والغم وفي الحديث ” يصبر الصابر ويقتل القاتل ” والصابر هاهنا هو الذي يصبر النفس عن القتل، ولا تجوز الصفة على الله تعالى بالصبر لان المضار لا تلحقه وتجوز الصفة عليه بالحلم لأنه صفة مدح وتعظيم وإذا قال قائل اللهم حلمك عن العصاة أي إمهالك فذلك جائز على شرائط الحكمة من غير أن يكون فيه مفسدة وإمهال الله تعالى إياهم مظاهرة عليهم.

وعن الفرق بين الحياة والنماء يقول أبو هلال العسكري: أن الحياة هي ما تصير به الجملة كالشئ الواحد في جواز تعلق الصفات بها فأما قوله تعالى “فأحيينا به الارض بعد موتها” (فاطر 9) فمعناه أنا جعلنا حالها كحال الحي في الانتفاع بها، والصفة لله بأنه حي مأخوذة من الحياة على التقدير لا على الحقيقة كما أن صفته بأنه موجود مأخوذة من الوجود على التقدير وقد دل الدليل على أن الحي بعد أن لم يكن حيا حي من أجل الحياة فالذي لم يزل حيا ينبغي أن يكون حيا لنفسه، والنماء يزيد الشئ حالا بعد حال من نفسه لا بإضافة إليه فالنبات ينمي ويزيد وليس بحي والله تعالى حي ولا ينام، ولا يقال لمن أصاب ميراثا أو أعطي عطية أنه قد نما ماله وإنما يقال نما ماله إذا زاد في نفسه، والنماء في الماشية حقيقة لأنها تزيد بتوالدها قليلا قليلا، وفي الورق والذهب مجاز فهذا هو الفرق بين الزيادة والنماء، ويقال للاشجار والنبات نوام لانها تزيد في كل يوم إلى أن تنتهي إلى حد التمام.

وعن الفرق بين الحيلة والمكر يقول العسكري في كتابه: أن من الحيلة ما ليس بمكر وهو أن يقدر نفع الغير لا من وجهه فيسمى ذلك حيلة مع كونه نفعا، والمكر لا يكون نفعا. وفرق آخر وهو أن المكر بقدر ضرر الغير من غير أن يعلم به وسواء كان من وجهه أو لا، والحيلة لا تكون إلا من غير وجهه، وسمى الله تعالى ما توعد به الكفار مكرا في قوله تعالى “فلا يأمن مكر الله إلا القوم لخاسرون” (الأعراف 99) وذلك أن الماكر ينزل المكروه بالممكور به من حيث لا يعلم فلما كان هذا سبيل ما توعدهم به من العذاب سماه مكرا، ويجوز أن يقال سماه مكرا لانه دبره وأرسله في وقته، والمكر في اللغة التدبير على العدو فلما كان أصلهما واحدا قام أحدهما مقام الآخر، وأصل المكر في اللغة الفتل ومنه قيل جارية ممكورة أي ملتفة البدن وإنما سميت الحيلة مكرا لانها قيلت على خلاف الرشد. قال الطبرسي رضي الله عنه: الحيلة قد تكون لإظهار ما يعسر من الفعل من غير قصد إلى الإضرار بالعبد. والمكر: حيلة على العبد توقعه في مثل الوهق. انتهى. ولا يخفى أن مكر الله عباده كما قال تعالى: ” ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين” (آل عمران 54) عبارة عن إيصال الجزاء إلى الماكر، واستدراجه العبد من حيث لا يعلم، ومعاملته معاملة الماكر للممكور.