فقدان المصداقية في الاعلام و صحافة اقليم کوردستان والعراق

لقمان البرزنجي .. المانيا
لم يعد خافيا على المراقب للمشهد العراقي أن السلطة الرابعة، التي يفترض بها أن تكون حارسة الديمقراطية ولسان حال المواطن، تعيش في العقدين الأخيرين أزمة وجودية خانقة تمثلت في مأسسة الفساد الإعلامي وانحدارٍ غير مسبوق في مستويات المصداقية المهنية.إن المتتبع للخرائط الإعلامية في العراق يدرك سريعا حجم التطييف والتحزيب الذي أصاب هذا الجسد. فبدلا من أن تكون المنابر الصحفية ساحات للحوار الوطني والرقابة على أداء المؤسسات، تحول جزء كبير منها إلى مصدات سياسية وأبواق دعائية تموّلها جهات حزبية او قوى ظل إقليمية ومحلية. هذا الارتباط العضوي بين المال السياسي والمنبر الإعلامي خلق ما يمكن تسميته بـ الصحافة الموجهة، حيث تصاغ الحقائق وتوجه الأخبار لخدمة اجندات ضيقة، لا لبناء وعي جمعي. هنا تتجلى خطورة هذا الفساد في ثلاثة محاور رئيسية اولا. الابتزاز والتسقيط السياسي، تحول بعض المنصات الديجيتالية والقنوات الفضائية إلى أدوات لتصفية الحسابات السياسية وابتزاز مؤسسات الدولة، مما أفرغ العمل الصحفي من محتواه الأخلاقي. ثانيا تزييف الوعي العام عبر بث الاخبار المضللة واصطناع الأزمات الرقمية لتشتيت الراي العام عن قضايا الفساد البنيوي والقصور الخدمي. ثالثا . غياب الاستقلالية المالية إن ارتهان المؤسسات الصحفية للتمويل السياسي غير المعلن جعل من الصعب إنتاج صحافة استقصائية حقيقية قادرة على كشف ملفات الفساد الكبرى.هذا التآكل المهني أدى بالضرورة إلى فجوة ثقة هائلة بين المواطن العراقي والصحافة المحلية. إذ بات الشارع ينظر إلى التحليلات والأخبار بعين الريبة والشك، ويبحث عن الحقيقة في منافذ بديلة غالبا ما تكون هي الأخرى غير منضبطة.إن استعادة المصداقية في الصحافة العراقية ليست ترفا فكريا، بل هي ضرورة وطنية لحماية السلم الأهلي وتقويم التجربة الديمقراطية. ولن يتحقق ذلك إلا بفك الارتباط بين المال السياسي والإعلام، وتفعيل قوانين حقيقية تضمن حرية الوصول إلى المعلومات وحماية الصحفيين المستقلين. وإعادة الاعتبار للمواثيق الأخلاقية التي تجعل من الحقيقة والحقيقة وحدها بوصلة العمل الصحفي.