✍️ خالد الغريباوي
أعاد الهجوم الإيراني المفاجئ على إسرائيل، والذي جاء رداً على الضربة التي استهدفت الأراضي الإيرانية، رسم ملامح المشهد الإقليمي بصورة مختلفة عما كان متوقعاً. فطهران التي اعتمدت لسنوات طويلة سياسة (الصبر الاستراتيجي ) تبدو اليوم وكأنها انتقلت إلى مرحلة جديدة عنوانها الردع المباشر وفرض المعادلات بالقوة.
اللافت في هذه المواجهة أن إيران لم تبدِ استعداداً لتقديم أي مكسب سياسي أو إعلامي، ولو كان رمزياً، للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بل سعت إلى تحويل مسار الأحداث بطريقة وضعت خصومها أمام تحديات غير متوقعة. ومن وجهة نظر مؤيديها، فإن ما يجري اليوم هو نتاج تخطيط استراتيجي طويل الأمد، وإدارة دقيقة للصراعات والأزمات، إضافة إلى امتلاك عقيدة سياسية وعسكرية تقوم على مبدأ الصمود والاستنزاف وتوظيف الوقت كعامل قوة.
كما أن مفهوم (وحدة الساحات) الذي روجت له إيران خلال السنوات الماضية بدأ يظهر بصورة أكثر وضوحاً في هذه المرحلة، حيث لم تعد المواجهة تُدار ضمن حدود جغرافية ضيقة، بل ضمن رؤية إقليمية أوسع تهدف إلى توحيد الضغوط على الخصوم وتشتيت قدراتهم.
ويعتقد كثير من المراقبين أن طهران نجحت في تحويل المواجهة من حالة الدفاع ورد الفعل إلى حالة المبادرة والهجوم، وهو تحول مهم في طبيعة الصراع، فبعد أن كانت تسعى إلى احتواء الضربات والضغوط، أصبحت تعمل على فرض إيقاع جديد للمواجهة عبر عمليات عسكرية ورسائل ردع متتالية، الأمر الذي فاجأ إسرائيل وأربك حسابات بعض الأطراف الدولية.
في المقابل، تظهر مؤشرات على أن الرئيس ترامب يسعى إلى إعادة فتح باب المفاوضات ومنع توسع الصراع، وهو ما يضعه أمام تحدٍ سياسي وإعلامي كبير، لأن العودة إلى طاولة التفاوض في ظل استمرار التصعيد العسكري قد تُفسر من قبل خصومه على أنها تراجع عن سياسة الضغوط القصوى التي تبناها سابقاً.
لقد تحولت المواجهة اليوم إلى ما يشبه حرب أعصاب مفتوحة، وهي ساحة تعتقد إيران أنها تمتلك خبرة طويلة في إدارتها. فاستراتيجية الاستنزاف، والصبر الطويل، والقدرة على تحمل الضغوط الاقتصادية والعسكرية، كلها عناصر تراهن عليها طهران في معركتها الحالية، معتقدة أن عامل الوقت قد يعمل لصالحها أكثر من خصومها.
ومع استمرار التصعيد، تبقى الأسئلة مفتوحة حول حدود هذه المواجهة وإمكانية تحولها إلى صراع أوسع، لكن المؤكد أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة تختلف عن كل ما سبقها، وأن نتائج الأيام والأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد شكل التوازنات الإقليمية ومستقبل الصراع بين إيران وإسرائيل.