((الغائب الحاضر)) 

حسين شكران الأكوش العقيلي

في الأزقة التي لا تُذكر، وفي البيوت التي تخجل من البوح، وفي العيون التي فقدت بريقها، يسكن (الغائب الحاضر”) لا يُرى، لكنه يُحس. لا يُذكر، لكنه يُخاف. إنه المخدر، ذلك الكائن اللا مرئي الذي يتسلل إلى الجسد، ثم إلى الروح، ثم إلى المجتمع بأكمله، فيصنع من الألم عادة، ومن الهروب نمط حياة، ومن الانهيار واقعًا لا يُنكر.

المخدرات ليست مجرد مادة تُستهلك، بل هي منظومة من الانهيارات المتراكمة. تبدأ من لحظة ضعف، أو من فجوة في التربية، أو من خيبة في الحلم، ثم تتوسع لتصبح ثقافة فرعية، لها لغتها، ورموزها، ومروّجوها، وضحاياها. إنها ليست أزمة صحية فحسب، بل أزمة أخلاقية، تربوية، اقتصادية، وأمنية، تتشابك فيها الخيوط حتى يصعب فصل السبب عن النتيجة.

في المجتمعات التي تعاني من التهميش، أو من غياب العدالة، أو من تفكك الأسرة، تصبح المخدرات ملاذًا. ليس لأنها حل، بل لأنها مهرب. المهرب من الواقع، من الفقر، من القهر، من الأسئلة التي لا إجابة لها. وهنا، يتحول الغائب إلى حاضر ثقيل، يفرض نفسه على تفاصيل الحياة اليومية في المدارس، في الشوارع، في السجون، وفي المستشفيات والخ.

لكن الأخطر من تعاطي المخدرات هو تطبيع وجودها. حين تصبح جزءًا من الحديث العادي، أو من المزاح، أو من التجربة (التي لا بأس بها) . حين يُنظر إلى المدمن كضحية فقط، دون مساءلة، أو كمجرم فقط، دون فهم. حين تُختزل القضية في حملات موسمية، أو في شعارات فارغة، دون معالجة جذرية.

المخدرات تكشف هشاشة البنية الاجتماعية. فهي لا تقتحم المجتمعات القوية، بل تتسلل إلى الشقوق. إلى الفراغات التربوية، إلى الفقر العاطفي، إلى غياب القدوة، إلى انهيار المعنى. إنها مؤشر على أن شيئًا ما في المنظومة قد فشل: في التعليم، في الإعلام، في الدين، في القانون.

ولعل أخطر ما في المخدرات أنها لا تقتل دفعة واحدة، بل تقتل على مراحل. تقتل الطموح أولًا، ثم تقتل العلاقات، ثم تقتل الضمير، ثم تقتل الجسد. إنها موت بطيء، لكنه مؤكد. موت لا يُعلن في الصحف، بل يُكتب في ملامح الوجوه، وفي صمت الأمهات، وفي خوف الآباء، وفي تردد الأصدقاء.

فهل من سبيل للخلاص؟  

الخلاص لا يكون بالإنكار، ولا بالتخويف، ولا بالعقاب وحده. بل يبدأ بالفهم. بفهم لماذا يلجأ الإنسان إلى المخدر؟ ما الذي ينقصه؟ ما الذي يبحث عنه؟ ثم يأتي دور التربية، والدين، والإعلام، والقانون، والمجتمع المدني، ليعيدوا بناء الإنسان من الداخل، لا ليحاصروه من الخارج.

المخدرات ليست قدرًا، بل نتيجة. وإذا كانت النتيجة مؤلمة، فالحل يبدأ من مراجعة الأسباب. من إعادة بناء النسيج الاجتماعي، من ترميم الثقة، من إحياء المعنى، من تقديم البديل الحقيقي: البديل الذي يمنح الإنسان شعورًا بالكرامة، والانتماء، والأمل.

في النهاية، يبقى (الغائب الحاضر) تحديًا مفتوحًا. لا يُهزم بالشعارات، بل بالوعي. ولا يُطرد بالقوة، بل بالحب. ولا يُنسى، بل يُواجه. لأن المجتمعات التي لا تواجه أشباحها، تُصبح هي نفسها أشباحًا.