ضياء أبو معارج الدراجي
أن مقاطعة الانتخابات بحجة الفساد هي وسيلة احتجاجية مشروعة. وفي الوقت الذي يحق فيه لكل مواطن التعبير عن استيائه من الفساد، فإن الانسحاب الكامل عن الساحة السياسية وتركها خالية يُعدّ خطرًا حقيقيًا على المجتمع، ويمنح الفرصة للقوى الأخرى لاستغلال الفراغ وتغيير موازين السلطة لصالحها.
إن التجارب التاريخية والسياسية تؤكد أن الفراغ السياسي لا يبقى بلا تأثير؛ فهو سريعًا ما يستغله من يسعى لتمرير أجنداته دون رادع شعبي، فيفقد المجتمع فرصته في حماية مصالحه وأمنه واستقراره.
وقد حذر أهل البيت (عليهم السلام) من مخاطر الانسحاب عن الجماعة وتركها للآخرين، وأكدوا أن تماسك الجماعة والوقوف مع حقوقها شرط لازدهار الأمة واستقرارها:
1. الإمام علي (عليه السلام):
«وَاعْلَمْ أَنَّ أُمَّتِي مَسْلُوبَةٌ مَا دَامَ أَحَدٌ مِنْهَا يَتْرُكُ قَوْمَهُ لِمَنْ يَسْتَخْرِجُهُ»
— نهج البلاغة، كلام الحكمة 153
الشرح: ترك الفرد لقومه وتمكين فئة أخرى من الهيمنة يؤدي إلى استغلال الفراغ وضياع الحقوق.
2. الإمام علي (عليه السلام):
«مَنْ تَخَلَّفَ عَنِ النَّاسِ فِي حَقِّهِمْ كَانَ كَمَنْ تَرَكَ الدِّينَ وَالعَرْضَ فِي يَدِ عَدُوِّهِ»
— النهج البلاغة، خطب مختارة
الشرح: التراجع عن نصرة الجماعة أو المجتمع يشبه ترك المصالح الأساسية في يد من يريد السيطرة عليها.
3. الإمام جعفر الصادق (عليه السلام):
«لَا يَسْتَقِيمُ أَمْرُ أُمَّتِي حَتَّى يَقِفَ أَعْضَاؤُهَا كُلٌّ عَلَى حَقِّهِ وَحَقِّ إِخْوَتِهِ»
— الكافي، ج 1، ص 198
الشرح: الانتماء الجماعي والوقوف مع حقوق الآخرين في الجماعة شرط لازدهار الأمة واستقرارها.
4. الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام):
«مَنْ أَعْطَى الدُّنْيَا قَلْبَهُ وَتَرَكَ قَوْمَهُ لِلضُّعَفَاءِ، سَتَأْتِي عَلَيْهِ الأيَّامُ بِالْمَصَائِبِ»
— الرسائل المأثورة
الشرح: الانعزال أو التهاون عن نصرة الجماعة يؤدي إلى تمكين الآخرين من الهيمنة، بما يضر بمصالح الجميع.
5. الإمام علي (عليه السلام):
«الْجَمَاعَةُ سُلَّمٌ وَالْفُرْقَةُ خَسَارَةٌ، فَمَنْ نَزَعَ قَدَمَهُ مِنَ السُلَّمِ أَدْخَلَهُ فِي وَادٍ مِنَ الْخَسَارَةِ»
— نهج البلاغة
الشرح: الانسحاب الفردي أو الانفصال عن الجماعة يفتح الباب للاستغلال ويضع الفرد في موقف ضعف وخسارة.
الخلاصة: الانسحاب عن المشاركة السياسية ليس وسيلة فعّالة لمحاربة الفساد، بل قد يحوّل الاحتجاج المشروع إلى فرصة لمن يسعى لتمرير أجنداته على حساب الأمة. حضورنا الواعي والمستمر في الحياة السياسية يقي المجتمع من الفراغ، ويضمن حماية مصالح الجماعة وحقوقها، كما أكّد أهل البيت (عليهم السلام).
ضياء ابو معارج الدراجي