البعد الأخر لكابينة “الزيدي” الوزارية المرتقبة ؟ فهل يؤسس بُنْيَانَهُ على شَفَا جُرُفٍ هَارٍ بالمحاصصة الطائفية فتنهار بِهِ فِي نَارِ العقوبات الأمريكية حتى قبل ولادتها ؟

صباح البغدادي

في الوقت الذي يخوض فيه رئيس الوزراء المكلف “علي الزيدي” سباقاً ماراثونين ضيقاً مع الزمن لتشكيل كابينته الوزارية، أطلقت اليوم الخميس 7 أيار 2026 وزارة الخزانة الأمريكية إنذاراً مدوياً بفرض عقوبات جديدة على نائب وزير النفط العراقي علي البهادلي وشبكة شركات عراقية مرتبطة بتهريب النفط الإيراني. بسبب انه عمل وأجاز نقل ما يعادل عدة ملايين من الدولارات من النفط العراقي يومياً عبر الشاحنات إلى أحد المهربين، والذي كان يمزجه بالنفط الخام الإيراني. وأن نائب الوزير أسهم في تزوير المستندات لإخفاء هوية المنتج الممزوج وتقديمه على أنه نفط عراقي خالص، مما أتاح له الوصول إلى الأسواق العالمية ” وفيما أكد وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت أن النظام الإيراني ينهب موارد الشعب العراقي وأن الولايات المتحدة لن لن تقف صامتة أمام استغلال طهران للنفط العراقي” والاسماء والشركات التي فرضت عليها العقوبات اليوم هم كل من

عيسى كاظم الشويلي – كتائب حزب الله
علي معارج البهادلي – ارتباطه بسعيد سالم احمد
مصطفى هاشم لازم البهادلي – عصائب اهل الحق
احمد خضير مكصوصي – كتائب سيد الشهداء

والشركات المرتبطة بهم :

طاقة الخليج للنقل العام والخدمات البحرية والاستشارات العقارية محدودة المسؤولية
طاقة الخليج للخدمات النفطية المحدودة
طاقة العراق الدولية لاستيراد وبيع المنتوجات النفطية

لم تكن هذه العقوبات والتي نعتبرها مفاجئة أو إنها فقط مجرد إجراء روتيني ، بل هي رسالة استراتيجية حادة تحمل في طياتها تحذيراً واضحاً لا مفر منه والى من يهمه الأمر مفادها بأن : ” أي حكومة عراقية جديدة ستواجه مصيراً قاسياً إذا استمرت في بناء بنيانها على أساس المحاصصة الطائفية-الحزبية التقليدية”. وإن كابينة الزيدي الوزارية المرتقبة باتت تقف اليوم على شفا جرف هار ، والذي أُسس على غير أساس متين. فمن جهة تُمطرها الإدارة الأمريكية بضغوط اقتصادية متصاعدة، ومن جهة أخرى تُطبق عليها الأحزاب والكتل السياسية كماشطة المحاصصة، مطالبة بحصصها في الوزارات السيادية والاقتصادية. وبالأخص مع تحذير اخر اطلقه احد المسؤولين الأمريكان وبالتزامن مع أعلان العقوبات وضع بلاده ثلاث شروط حاسمة قبل استئناف المساعدات المالية والأمنية ومنها :”أولًا طرد الجماعات المسلحة من جميع مؤسسات الدولة، وقطع دعمها من الميزانية العراقية، ومنع صرف رواتب مقاتليها، وهذه هي الإجراءات الملموسة التي ستمنحنا الثقة وتؤكد وجود عقلية جديدة”. ومع هذه اللهجة الحادة وفرض العقوبات فان الجميع الكتل السياسية ومن دون اي استثناء اعادة حساباتها الان لغرض كيفية الانحاء الى العاصفة العقوبات الامريكية المنتظرة وبالاخص ان التقاتل على وزارة النفط ما تزال تجري بين الكتل الحزبية الرئيسية ؟

هذه الخطوة لا تُعد مفاجئة ولكنها تحمل دلالات استراتيجية ثقيلة على مستقبل مخاض ولادة كابينة الزيدي الوزارية وهذه العقوبات ليست مجرد إجراء فني ضد شخصيات وكيانات، بل هي جزء من استراتيجية أمريكية أوسع تهدف إلى قطع شرايين الاقتصاد الموازي الذي يغذي الحرس الثوري الإيراني والميلشييات المرتبطة به داخل العراق. وتأتي في توقيت حساس للغاية: أيام قليلة بعد تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة.

حيث تكشف هذه الخطوة عن تحول جذري في سياق كيفية التعامل مستقبلا مع النهج الأمريكي تجاه العراق. فلم تعد واشنطن تكتفي باستهداف الشبكات الإيرانية المباشرة، بل بدأت في استهداف “الواجهات العراقية” داخل مؤسسات الدولة الرسمية. عقوبة نائب وزير النفط تعني بوضوح أن أمريكا تعتبر جزءاً من الجهاز الحكومي العراقي متورطاً في عمليات تهريب وغسيل أموال تخدم طهران.الرسالة المبطنة واضحة:

  • أي حكومة عراقية قادمة ستُحاسب على أدائها في فصل المصالح الوطنية العراقية عن “العمق الاستراتيجي” الإيراني.
  • الضغط الاقتصادي (عقوبات ثانوية محتملة على بنوك وشركات ومسؤولين) سيصبح أداة يومية إذا استمرت السياسات القديمة.
  • هناك نافذة فرصة: إذا أظهرت الحكومة الجديدة استقلالية حقيقية في ملف النفط والحدود والطاقة، فقد تحصل على دعم واستثمارات غربية-خليجية.

ويجد رئيس الوزراء المكلف نفسه أمام أصعب اختبار سياسي ممكن يواجهه اي رئيس وزراء مكلف وبالاخص في شخصيته الي ليس لها جذور سياسية ودبلوماسية وانما كرجل اعمال لديه ميزان واحد مدى الربح او الخسارة من اي صفقة يدخل فيها لان تنتظره الان المطرقة العقوبات الأمريكية من جهة، وسندان المحاصصة الحزبية من جهة أخرى. والأحزاب والكتل الشيعية الرئيسية (الإطار التنسيقي) التي كلفته تتوقع حصصاً وزارية واضحة، خاصة في الوزارات السيادية والاقتصادية (النفط، المالية، الداخلية، الكهرباء)، بالإضافة إلى تعيينات وامتيازات تقليدية.المعادلة تبدو شبه مستحيلة:

  • إذا مال الزيدي نحو الإملاءات الأمريكية (تنظيف وزارة النفط، محاربة التهريب، تقليل الاعتماد على إيران)، فإنه يخاطر بفقدان الدعم البرلماني ومواجهة تمرد ميليشياوي-سياسي.
  • وإذا استسلم لضغوط الأحزاب والمحاصصة، فإنه يواجه موجة عقوبات أمريكية أوسع قد تعطل الاقتصاد العراقي برمته، خاصة في ظل اعتماد البلاد شبه الكلي على إيرادات النفط والدولار الأمريكي.

سيناريوهات مستقبلية (2026-2030): الخيارات الثلاثة1. السيناريو المتفائل (احتمالية محدودة):
يتمكن الزيدي من لعب لعبة ذكية: تعيين وزراء “تقنيين” ظاهرياً في المناصب الحساسة، مع صفقات خلفية تحافظ على توازن الحصص. يستغل الضغط الأمريكي كغطاء لإصلاحات جزئية، ويبني تحالفات مع الكرد والسنة والقوى “الدولتية” داخل الإطار. في هذه الحالة، قد يحقق استقراراً نسبياً ويفتح أبواب استثمارات خارجية.2. السيناريو الواقعي الأرجح:
تسويات هشة وصفقات تحت الطاولة. استمرار الاقتصاد الموازي بطرق أكثر احترافية وسرية. حكومة ضعيفة تدير الأزمات بالتأجيل، مع تكرار دورات العقوبات والاحتجاجات والانسداد السياسي. الزيدي يصبح رئيس وزراء انتقالي آخر في سلسلة طويلة.3. السيناريو المتشائم (غير مستبعد):
فشل في تشكيل كابينة متماسكة أو حكومة تتعرض لعقوبات أمريكية شديدة مبكرة، مما يؤدي إلى انهيار الثقة الشعبية، تصعيد ميليشياوي، وربما أزمة دستورية. العراق يبقى ساحة مفتوحة للصراع الأمريكي-الإيراني على حساب سيادته وموارده.الخلاصة التحذيريةالعراق اليوم ليس أمام مجرد أزمة حكومية عادية، بل أمام مفترق طرق وجودي. النظام المحاصصي الذي أنتج اقتصاداً موازياً ودولة داخل الدولة أصبح عبئاً ثقيلاً لا تستطيع تحمله ميزانية النفط المتذبذبة ولا الشعب المنهك.علي الزيدي لديه فرصة تاريخية محدودة ليثبت أنه “رجل الدولة” وليس “رجل الأحزاب”. لكن بدون إرادة حقيقية لدى الأطراف السياسية الرئيسية في التخلي عن جزء من نفوذها وامتيازاتها، فإن كل الجهود ستظل محكومة بالفشل.الرسالة الأمريكية اليوم ليست مجرد عقوبات.. إنها إنذار نهائي. إما أن يبدأ العراق في استعادة سيادته الاقتصادية والأمنية، أو يغرق أكثر في دوامة العقوبات والتبعية والانهيار التدريجي.الوقت ليس في صالح أحد. والخيارات تتضاءل يوماً بعد يوم.

التوازن المطلوب (و الصعب جداً):

  • الجانب الأمريكي:
    • مطالب ضمنية/صريحة: تنظيف وزارة النفط والمالية من الشخصيات/الشبكات المرتبطة بالتهريب، السيطرة على الحدود والموانئ، تقليل الاعتماد على الغاز/الكهرباء الإيراني، ومحاربة الميليشيات المستقلة.
    • أدوات الضغط: عقوبات ثانوية على بنوك/شركات/مسؤولين عراقيين، تعطيل تحويلات الدولار (كما حدث سابقاً)، وتأثير على الاستثمارات الغربية والإعمار.
    • فرصة: دعم أمريكي محتمل للحكومة إذا أظهرت استقلالية (طاقة، أمن، إصلاحات).
  • الجانب الحزبي (الإطار التنسيقي والميليشيات):
    • الأحزاب (مالكي، عمري، الخزعلي، الحكيم…) تريد حصص وزارية واضحة (النفط، الداخلية، المالية، الخدمات) وامتيازات (تعيينات، عقود، سيطرة على موارد).
    • الميليشيات المرتبطة بإيران تعتبر العقوبات “عدواناً” وستضغط لتعيين وزراء/نواب “صديقين” يحمي مصالحها (تهريب، اقتصاد موازي، نفوذ أمني).
    • خطر: رفض الكتل أو سحب الثقة المبكر إذا شعرت بالتهميش.

هل يستطيع التوازن؟

  • سيناريو متفائل
    • يعين وزراء “تقنيين/مستقلين” ظاهرياً في النفط والمالية، مع صفقات خلفية تحافظ على توازن الحصص. يعد بـ”مكافحة الفساد والتهريب” لإرضاء أمريكا، ويستخدم الوقت لتفاوض مع واشنطن (استثناءات، مساعدات). يستفيد من كونه “غير متورط سابقاً” ليبني صورة “رجل الدولة”.
    • يحتاج دعماً كردياً/سنياً لتعزيز الشرعية.
  • سيناريو واقعي/أرجح (متوسط-عالي):
    • تسويات هشة: حصص حزبية مع بعض التعديلات (إبعاد أسماء بارزة جداً تحت العقوبات). استمرار الاقتصاد الموازي بطرق أكثر سرية.
    • الزيدي يصبح “رئيس وزراء انتقالي” ضعيف، يدير التوازن بالتأجيل والصفقات، لكنه يواجه أزمات متكررة (عقوبات جديدة، احتجاجات، انسداد سياسي).
  • سيناريو متشائم: فشل في التشكيل أو حكومة ضعيفة تؤدي إلى عقوبات أوسع، انهيار الثقة، أو تصعيد ميليشياوي. العراق يبقى “ساحة” للصراع الأمريكي-الإيراني.

لماذا الانهيار محتمل جداً؟

  1. الزيدي ليس قوياً بما يكفي: كرجل أعمال بدون قاعدة حزبية أو ميليشياوية خاصة، سيعتمد على الإطار. إذا حاول الاستقلالية (تعيين تقنيين، مكافحة تهريب)، قد يواجه رفضاً أو سحب ثقة مبكراً.
  2. التناقض الهيكلي: المحاصصة تُنتج وزراء “يمثلون كتلهم” لا الدولة. هذا يعني استمرار السيطرة على المنافذ الحدودية، وزارة النفط، والاقتصاد الموازي – وهو بالضبط ما تستهدفه أمريكا.
  3. السياق الإقليمي: إيران (رغم ضعفها النسبي) لن تتخلى عن “عمقها الاستراتيجي” بسهولة، والميليشيات ستدافع عن مصالحها. أما أمريكا (في عهد ترامب/بيسنت) فمصممة على عدم التسامح.

علي الزيدي أمام اختبار وجودي. التوازن ممكن نظرياً بـ”ذكاء تكتيكي + دعم خارجي”، لكنه صعب هيكلياً بسبب طبيعة النظام المحاصصي والاقتصاد الموازي. نجاحه النسبي يعتمد على قدرته على بناء تحالفات واسعة، استغلال الضغط الأمريكي كفرصة للإصلاح (دون مواجهة مباشرة)، وتجنب التورط الشخصي في الفساد. العراق يحتاج حكومة تركز على السيادة الاقتصادية والأمنية، لكن الواقع يقول إن “المطرقة والسندان” قد ينتجان حكومة هشة أخرى. المستقبل يعتمد على مدى جدية الأطراف في تجاوز المحاصصة.

إذا أسس الزيدي كابينته على شفا جرف المحاصصة الطائفية-الحزبية التقليدية، فإنها ستنهار في نار العقوبات الأمريكية أو على الأقل ستتعرض لاحتراق بطيء يزيد من معاناة الشعب العراقي. الفرصة التاريخية موجودة (كونه “خارجياً” نسبياً + ضغط خارجي قوي)، لكن الإرادة السياسية الحقيقية لدى الأحزاب هي العائق الأكبر.العراق لا يحتاج حكومة “توازن” بين المطرقة والسندان، بل كسر لدائرة المحاصصة نفسها. وإلا فإن الجرف سيظل ينهار، مهما تغيرت الأسماء.