الكاتب : د. فاضل حسن شريف
—————————————
من معاني سنن: وقائع أو أمم أو حضارات جاء في تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله تعالى عن سنن “قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ” ﴿آل عمران 137﴾ اللغة: السنة الطريقة المجعولة ليقتدى بها ومن ذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبيد: مِنْ مَعْشَرِ سَنَّتْ لَـهُم آباؤُهُمْ وَلِكُـِّـل قَوْمٍ سنَّةٌ وَإمامُها. وقال سليمان بن قتة: وَإنَّ الأُولى مِنْ آلِ هاشِمٍ تَآسَوْا فَسَنُّوا لِلْكِرامِ الْتَآسِيا. وأصل السنة الاستمرار في جهة يقال سنّ الماء إذا صبَّه حتى يفيض من الإِناء وسنّ السكين بالمسن إذا أمرَّه عليه لتحديده، ومنه السن واحد الأَسنان لاستمرارها على منهاج والسنان لاستمرار الطعن به والسنن استمرار الطريق والعاقبة ما يؤدي إليها السبب المتقدم وليس كذلك الآخرة لأَنه قد كان يمكن أن تجعل هي الأُولى في العدة والموعظة ما يلين القلب ويدعو إلى التمسك بما فيه من الزجر عن القبيح والدعاء إلى الجميل وقيل الموعظة هو ما يدعو بالرغبة والرهبة إلى الحسنة بدلاً من السيئة. المعنى: لما بيَّن سبحانه ما يفعلـه بالمؤمن والكافر في الدنيا والآخرة بيَّن أن ذلك عادته في خلقه فقال “قد خلت” أي قد مضت “من قبلكم” يا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وقيل هو خطاب لمن انهزم يوم أحد “سنن” من الله في الأَمم السالفة إذا كذبوا رسلـه وجحدوا نبوتهم بالاستيصال وتبقية آثارهم في الديار للاعتبار والاتعاظ عن الحسن وابن إسحاق، وقيل سنن أي أمثال عن ابن زيد وقيل سنن أمم، والسنة الأُمة عن المفضل وقال الشاعر: ما عايَنَ الْنَّاسُ مِنْ فَضْلٍ كَفَضْلِكُم وَلا رَأَوْا مِثْلَكُمْ فِي سالِفِ السُّنَنِ. وقيل معناه أهل سنن وقيل معناه قد مضت لكل أمة سنة ومنهاج إذا اتبعوها رضي الله عنهم عن الكلبي “فسيروا في الأَرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين” أي تعرفوا أخبار المكذبين وما نزل بهم لتتعظوا بذلك وتنتهوا عن مثل ما فعلوه ولا تسلكوا في التكذيب والإِنكار طريقتهم فيحل بكم من العذاب ما حلَّ بهم، وأراد بالمكذبين الجاحدين للبعث والنشور والثواب والعقاب جازاهم الله تعالى في الدنيا بعذاب الاستيصال وفي الآخرة بأليم العذاب وعظيم النكال.
جاء في مدونة مدونة حسن محسن رمضان عن الفرق بين التمدن والتحضّر: تواجه المجتمعات العربية والإسلامية إشكالات متعددة على مستوى تفاعلاتها مع المجتمعات الأخرى. فمن جهة هي بلا شك تملك إرثاً تاريخياً ثقافياً وحضارياً متميزاً وذو محاور متشعبة وذو تأثيرات واضحة المعالم على الحضارات الأخرى، ومن جهة أخرى فإن هذا الإرث الحضاري والثقافي قد أصابه الجمود والسكون خلال الثمانمئة سنة الماضية بحيث أصبح في كثير من صوره يشكل عبئاً على المجتمعات الحديثة بما تتميز من ديناميكية سريعة التغير والتطور. الإشكالية تتبدى في أن الحضارة الإسلامية في تطورها وتميزها، بما تشمله من قوميات وثقافات داخلية متباينة ومتنوعة، قد اتخذت شكلها المعروف الآن ضمن محيط يتميز بالتغير التدريجي البطيء الذي يأخذ زمناً غير قصير في نقل المعلومة ثم استيعابها ومناقشتها ثم إتخاذ موقف منها بالقبول والإيجاب وأخيراً انتظار تأثيرها على الأفراد والمجتمعات. كانت تلك المجتمعات، في الأصل والسياق الطبيعي، هي مغلقة إما على نفسها أو على المجتمعات التي تناظر ثقافتها ومعاييرها الحضارية، وفي سياقها الشاذ كانت مفتوحة على الآخر المختلف. تميزت المجتمعات الخليجية، ومنها الكويت، بهذا السياق العام للحضارة الإسلامية. فالواقع أن هذه المجتمعات كانت منذ أكثر بقليل من ستين سنة هي مجتمعات مغلقة حضارياً وثقافياً على التطور السريع التي كانت تشهده أروبا وأمريكا الشمالية. فعندما كانت مجتمعاتنا هنا ينخر فيها الجهل والأمية والأمراض الفتاكة والفقر والتسلط وغياب العدالة الإجتماعية وانعدام أبسط الأدوات المدنية في حياة الناس وانعدام أي فهم سليم لواجبات الدولة وحقوقها وآليات السيادة، كان الأوربيون قد انشأوا محطات توليد الكهرباء ومصانع الطائرات والسيارات وارتفع متوسط عمر الإنسان عندهم إلى حوالي الضعف عما كان عليه في نهاية القرن التاسع عشر واستقرت عندهم فكرة الديموقراطيات والدساتير وفصل السلطات ووظفوا البترول في صناعات متعددة وكانت جامعاتهم تُدرس الفيزياء النووية والهندسة الميكانيكية والمصادر المتنوعة للمضادات الحيوية ضد أشكال متعددة من البكتيريا. ولذلك عندما فتحت مجتمعاتنا أعينها على القادمين الجدد من وراء البحار سعياً وراء خطوط التجارة البحرية والبرية ووراء الذهب الأسود السائل في صحرائنا، فتحت أعينها على “مظاهر” هذا التحضر من وسائط نقل وأدوات حياة وأسلوب معيشة، لا غير. وكان هذا منشأ لسوء فهم خطير استمر معنا إلى يومنا هذا.
بدو الصحراء عكس تمدن مصر كما جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله تعالى عن البدو عكس التمدن “وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ” (يوسف 100) ثم أثنى على ربه شاكرا له فقال:” وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ” فذكر إحسان ربه به في إخراجه من السجن وهو ضراء وبلاء دفعه الله عنه بتبديله سراء ونعمة من حيث لا يحتسب حيث جعله وسيلة لنيله العزة والملك. ولم يذكر إخراجه من الجب قبل ذلك لحضور إخوته عنده وكان لا يريد أن يذكر ما يسوؤهم ذكره كرما وفتوة بل أشار إلى ذلك بأحسن لفظ يمكن أن يشار به إليه من غير أن يتضمن طعنا فيهم وشنآنا فقال: “وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي” (يوسف 100) والنزغ هو الدخول في أمر لإفساده. والمراد: وقد أحسن بي من بعد أن أفسد الشيطان بيني وبين إخوتي فكان من الأمر ما كان فأدى ذلك إلى فراق بيني وبينكم فساقني ربي إلى مصر فأقرني في أرغد عيش وأرفع عزة وملك ثم قرب بيننا بنقلكم من البادية إلي في دار المدنية والحضارة. يعني أنه كانت نوائب نزلت بي إثر إفساد الشيطان بيني وبين إخوتي ومما أخصه بالذكر من بينها فراق بيني وبينكم ثم رزية السجن فأحسن بي ربي ودفعها عني واحدة بعد أخرى ولم يكن من المحن والحوادث العادية بل رزايا صماء وعقودا لا تنحل لكن ربي نفذ فيها بلطفه ونفوذ قدرته فبدلها أسباب حياة ونعمة بعد ما كانت أسباب هلاك وشقاء ولهذه الثلاثة الأخيرة عقب قوله:”وقد أحسن بي” إلخ بقوله:”إن ربي لطيف لما يشاء”. فقوله: “إن ربي لطيف لما يشاء” (يوسف 100) تعليل لإخراجه من السجن ومجيئهم من البدو، ويشير به إلى ما خصه الله به من العناية والمنة وإن البلايا التي أحاطت به لم تكن لتنحل عقدتها أولتنحرف عن مجراها لكن الله لطيف لما يشاء نفذ فيها فجعل عوامل الشدة عوامل رخاء وراحة وأسباب الذلة والرقية وسائل عزة وملك. واللطيف من أسمائه تعالى يدل على حضوره وإحاطته تعالى بما لا سبيل إلى الحضور فيه والإحاطة به من باطن الأشياء وهو من فروع إحاطته تعالى بنفوذ القدرة والعلم قال تعالى: “أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ” (الملك 14) والأصل في معناه الصغر والدقة والنفوذ يقال: لطف الشيء بالضم يلطف لطافة إذا صغر ودق حتى نفذ في المجاري والثقب الصغار، ويكنى به عن الإرفاق والملاءمة والاسم اللطف. وقوله:”هو العليم الحكيم” (يوسف 100) تعليل لجميع ما تقدم من قوله: “يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا” (يوسف 100) إلخ، وقد علل عليه السلام الكلام وختمه بهذين الاسمين محاذاة لأبيه حيث تكلم في رؤياه وقال: “وكذلك يجتبيك ربك” (يوسف 6) إلى أن قال “إن ربك عليم حكيم” (يوسف 6) وليس يبعد أن يفيد اللام في قوله:”العليم الحكيم” (يوسف 100) معنى العهد فيفيد تصديقه لقول أبيه عليه السلام والمعنى: وهو ذاك العليم الحكيم الذي وصفته لي يوم أولت رؤياي.
جاء في موقع الأعلامي للاستاذ حسين انصريان عن سنن التحضر في القرآن: وللخوض في موضوع السنن من خلال القرآن الكريم وما يتعلق بها من قضايا فكرية يتوجب توضيح بعض خصائص السنة وهي أن سنة الله وحدة كلية مرتبطة بعضها ببعض أشد الارتباط فالنظم الاقتصادية والنظم الاجتماعية والسياسية والتربوية وغيرها كلها نظم جزئية أو أحداث صغرى داخل العملية أو النظام الحضاري والدائرة الكبرى، كما أن هذه الجزئيات ليست منعزلة التأثير بعضها في بعض، بل هي كالجسد الواحد. وأساسها ومحورها الإنسان وروحها العدل. ولذا تقرر على الأمم الواعية والشعوب المستنيرة أن تراعي حركة التاريخ وأثر كل العوامل الموجودة حتى تكون ضمن السنن المرسومة، والسنن الجارية في طريقها تؤكدها تجارب وأحداث الزمان علمت الأمم هذا أم جهلته، وفي التاريخ عبر لأولي الألباب. وإن كانت قضية السنن في القرآن تحتاج إلى تفسير خاص للقرآن يجلي مفهومها ويوضح حقائقها ومكنونها كما دعا إلى ذلك الأستاذ المرحوم محمد صادق عرجون. فإني أحسب أن هذه الدراسة من الخطوات الأولى في هذا الطريق ونزر من يسير في هذا الموضوع. والبناء العظيم أساسه ذر الرمال والتراب. والله تعالى يقول: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق). فما زلنا ننتظر من ذوي العلم ليرونا آيات ربنا في الأنفس والأفاق، وأن الإشارات التي تضمنها القرآن إلى سنن الله تستوجب على المسلمين أن يجعلوا من السنن علما من العلوم القرآنية تختص فيه طائفة من كل فرقة من أبناء الأمة الإسلامية لتبين للإنسانية التي كذب كثير منها بما لم يعلموا كما قال تعالى عن المشركين المكذبين لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله). أي بما لم يدركه علمهم ولم يعرفوا عاقبته في القرآن. وبقيت سنن الله من سار عليها من البشرية في أي جانب من جوانب الحياة فاز وظفر وإن كان ملحداً أو وثنياً مشركاً ومن حاد عنها خسر وإن كان مؤمناً موحداً، وعلى هذه القاعدة يفسر انحطاط المسلمين وتقدم غيرهم. ولذلك فالمسلمون أجدر الأمم بمعرفة هذه السنن لأنهم أجدر الأمم بقيادة الإنسانية لما لهم من معارف عن الخالق والخلق حواها القرآن، ولتجربتهم التاريخية في القيادة حيث سادت حضارتهم وهيمنت على الدنيا ما يزيد عن إحدى عشر قرناً فما اشتكى من ظلمهم عدو ولا صديق بحق ويفهم من سنن الله أن صاحب الحق ينتصر ويرث الأرض إن عمل وصبر طال الزمن أم قصر. وأن أهل الباطل يتنحون عن قيادة الأمم وإن سادوا وينهزمون طال الزمن أم قصر ولله عاقبة الأمور.