مفهوم التأليف في القرآن (أَلَّفَ)

الكاتب : د. فاضل حسن شريف
—————————————
وردت كلمة ألف ومشتقاتها في القرآن الكريم: أَلْفَ أَلْفَيْنَا أُلُوفٌ فَأَلَّفَ آلَافٍ بِأَلْفٍ وَأَلَّفَ أَلَّفْتَ أَلْفًا أَلْفَيْنِ وَالْمُؤَلَّفَةِ وَأَلْفَيَا كَأَلْفِ يُؤَلِّفُ أَلْفَوْا لِإِيلَافِ إِيلَافِهِمْ. جاء في معاني القرآن الكريم: ألف الألف من حروف التهجي، والإلف: اجتماع مع التئام، يقال: ألفت بينهم، ومنه: الألفة ويقال للمألوف: إلف وأليف. قال تعالى: “إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم” (آل عمران 103)، وقال: “لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم” (الأنفال 63).

جاء في كتاب موسوعة المفاهيم الاسلامية العامة لمؤلفه المجلس الأعلى للشئون الإسلامية المصرية عن التأليف: لغة: هو جمع الشىء إلى نظيره تقول: ألفت بين الشيئين تأليفا فتألفا وأتلفا . وتقول: تألف القوم وائتلفوا أى اجتمعوا . واصطلاحا: جمع مسائل علم فى كتاب، وهو مأخوذ من الألفة ومن الاجتماع أيضا وقد يطلق اللفظ على المؤلف وقد يسمى التأليف تصنيفا، ويسمى الكتاب المؤلف مصنفا. والمؤلف صاحب رسالة يريد أن ينقلها إلى القارىء ة ولذا فإن الاقتصار على سرد الآراء وجمع النصوص المتعلقة بموضوع معين لا يعد تأليفا، لأنه لا يضيف فكرا جديدا. كذلك فإن تحقيق النصوص القديمة وترجمة النصوص الأجنبية. أ. د/عبد الستار عبد الحق الحلوجى.

قوله تعالى عن ألف “وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ” ﴿الأنفال 63﴾، “وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ” ﴿آل عمران 103﴾.

جاء في تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله تعالى عن ألف “وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ” ﴿آل عمران 103﴾ “وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ” قيل: أراد ما كان بين الأوس والخزرج، من الحروب التي تطاولت مائة وعشرين سنة، إلى أن ألف الله بين قلوبهم بالإسلام، فزالت تلك الأحقاد، عن ابن عباس. وقيل: هو ما كان بين مشركي العرب من الطوائل، عن الحسن. والمعنى: إحفظوا نعمة الله ومنته عليكم بالإسلام، وبالائتلاف، ورفع ما كان بينكم من التنازع والاختلاف، فهذا هو النفع الحاصل لكم في العاجل، مع ما أعد لكم من الثواب الجزيل في الاجل، إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم بجمعكم على الاسلام، ورفع البغضاء والشحناء عن قلوبكم.

عن تفسير الميسر: قوله تعالى عن ألف “وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ” ﴿آل عمران 103﴾ فَأَلَّفَ: فَ حرف عطف، أَلَّفَ فعل، أعداء اسم وتمسَّكوا جميعًا بكتاب ربكم وهدي نبيكم، ولا تفعلوا ما يؤدي إلى فرقتكم. واذكروا نعمة جليلة أنعم الله بها عليكم: إذ كنتم أيها المؤمنون قبل الإسلام أعداء، فجمع الله قلوبكم على محبته ومحبة رسوله، وألقى في قلوبكم محبة بعضكم لبعض، فأصبحتم -بفضله- إخوانا متحابين، وكنتم على حافة نار جهنم، فهداكم الله بالإسلام ونجَّاكم من النار. وكما بيَّن الله لكم معالم الإيمان الصحيح فكذلك يبيِّن لكم كل ما فيه صلاحكم، لتهتدوا إلى سبيل الرشاد، وتسلكوها، فلا تضلوا عنها.

وعن تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله تعالى عن ألف “وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ” ﴿آل عمران 103﴾ واعتصموا” تمسكوا “بحبل الله” أي دينه “جميعا ولا تفرقوا” بعد الإسلام، “واذكروا نعمة الله” إنعامه “عليكم” يا معشر الأوس والخزرج “إذ كنتم” قبل الإسلام “أعداء فألَّف” جمع “بين قلوبكم” بالإسلام “فأصبحتم” فصرتم “بنعمته إخوانا” في الدين والولاية، “وكنتم على شفا” طرف “حفرة من النار” ليس بينكم وبين الوقوع فيها إلا أن تموتوا كفارا “فأنقذكم منها” بالإيمان، “كذلك” كما بيَّن لكم ما ذكر “يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون”.

جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله تعالى عن ألف “وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ” ﴿آل عمران 103﴾ : أول نداء قرع سمع النوع الإنساني ودعي به هذا النوع إلى الاعتناء بأمر الاجتماع بجعله موضوعا مستقلا خارجا عن زاوية الإهمال وحكم التبعية هو الذي نادى به صادع الإسلام عليه أفضل الصلاة والسلام، فدعا الناس بما نزل عليه من آيات ربه إلى سعادة الحياة وطيب العيش مجتمعي، قال تعالى “وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ” (الانعام 153)، وقال”وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا” (ال عمران 103)، إلى أن قال”وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ” (ال عمران 104) ( يشير إلى حفظ المجتمع عن التفرق والانشعاب )”وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ” (ال عمران 105)، وقال”إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ” (الانعام 159)، إلى غير ذلك من الآيات المطلقة الداعية إلى أصل الاجتماع والاتحاد. وقال تعالى “إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ” (الحجرات 10)، وقال”وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ” (الانفال 46)، وقال”وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى” (المائدة 2)، وقال”وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ” (ال عمران 104) إلى غير ذلك من الآيات الآمرة ببناء المجتمع الإسلامي على الاتفاق والاتحاد في حيازة منافعها ومزاياها المعنوية والمادية والدفاع عنه على ما سنوضحه بعض الإيضاح.

وعن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله تعالى عن ألف “وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ” ﴿آل عمران 103﴾ يذكّر اللَّه المسلمين الأول بما كانوا عليه من الإحن والبغضاء والحروب المتطاولة، ومنها الحرب بين الأوس والخزرج التي امتدت 120 سنة كما في تفسير الطبري فألف اللَّه بين قلوبهم ببركة الإسلام، حتى صاروا إخوانا في اللَّه متراحمين متناصحين.