جديد

الخائنين، خصيما: في القرآن

الكاتب : د. فاضل حسن شريف
—————————————
عن تفسير الميسر: قوله سبحانه عن خصيما “إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا” (النساء 105) لِلْخَائِنِينَ: لِّ حرف جر، لْ اداة تعريف، خَائِنِينَ اسم. لِلْخائِنينَ: الذين يرتكبون المعاصي و الحدود. خصيما اسم، خَصيماً: مخاصماً و مجادلاً عنهم. إنا أنزلنا إليك أيها الرسول القرآن مشتملا على الحق، لتفصل بين الناس جميعًا بما أوحى الله إليك، وبَصَّرك به، فلا تكن للذين يخونون أنفسهم بكتمان الحق مدافعًا عنهم بما أيدوه لك من القول المخالف للحقيقة. وجاء في تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: “ولا تكن للخائنين” (النساء 105) كطعمة “خصيما” (النساء 105) مخاصما عنهم.

تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: خاطب الله نبيه فقال: “ولا تكن للخائنين خصيما” (النساء 105) نهاه أن يكون لمن خان مسلما أو معاهدا في نفسه أو ماله خصيما يدافع من طالبه عنه بحقه الذي خانه فيه ويخاصم. وجاء في التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: “ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً” (النساء 105) النبي ما خاصم ومحال أن يخاصم عن الخائنين ونهيه عن التخاصم عنهم لا يستلزم وقوعه منه بل ان النهي عن المحرم يقع قبل اقترافه ولو ورد بعده لانتقض الغرض منه. وتسأل: إذا كان فعل الحرام محالا على النبي لمكان عصمته فما هو المسوغ إذن لنهيه عنه؟. الجواب: ان للَّه ان يوجه أمره إلى نبيه في جميع الحالات لأنه أمر من الأعلى إلى من هو دونه في العلو. هذا إلى ان الأمر بالواجب والنهي عن المحرم كثيرا ما يوجهان من اللَّه إلى الأنبياء لمجرد الإعلام بالحكم.

وعن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله تعالى: “وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً” (النساء 105) عطف على ما تقدمه من الجملة الخبرية لكونها في معنى الإنشاء كأنه قيل: فاحكم بينهم ولا تكن للخائنين خصيما. والخصيم هو الذي يدافع عن الدعوى وما في حكمها وفيه نهيه صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله عن أن يكون خصيما للخائنين على من يطالبهم بحقوقه فيدافع عن الخائنين ويبطل حقوق المحقين من أهل الدعوى. وربما أمكن أن يستفاد من عطف قوله “وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ” على ما تقدمه وهو أمره صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله أمرا مطلقا بالحكم أن المراد بالخيانة مطلق التعدي على حقوق الغير ممن لا ينبغي منه ذلك لا خصوص الخيانة للودائع وإن كان ربما عطف الخاص على العام لعناية ما بشأنه لكن المورد كالخالي عن العناية وسيجيء لهذا الكلام تتمة. وجاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: ثمّ يحذّر النّبي صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله‌ وسلم من حماية الخائنين أبدا بقوله: “وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً”. ومع أنّ الآية خطاب للنبي صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله‌ وسلم ولكن ممّا لا شك فيه هو أنّ هذا الحكم حكم عام لجميع القضاة والمحكمين وبهذا الدليل فإنّ مثل هذا الخطاب ليس المفهوم منه أنّ النّبي صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله‌ وسلم تبدر منه مثل هذه الأعمال لأن الحكم المذكور يشمل جميع الأفراد.

قال الله تعالى عن خصيم ومشتقاتها منها “إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا” ﴿النساء 105﴾، “وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ” ﴿البقرة 204﴾، “خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ” ﴿النحل 4﴾، “أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ” ﴿يس 77﴾، “أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ” ﴿الزخرف 18﴾، “وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ” ﴿ص 21﴾، “هَـٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ۖ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ” ﴿الحج 19﴾، “إِذْ دَخَلُوا عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ ۖ قَالُوا لَا تَخَفْ ۖ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَىٰ سَوَاءِ الصِّرَاطِ” ﴿ص 22﴾، “وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ۚ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ” ﴿الزخرف 58﴾، “قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ” ﴿ق 28﴾، “ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۚ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ” ﴿آل عمران 44﴾، “هَـٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ۖ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ” ﴿الحج 19﴾، “قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ” ﴿الشعراء 96﴾، “وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ” ﴿النمل 45﴾، “مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ” ﴿يس 49﴾، “مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ” ﴿ص 69﴾، “ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ” ﴿الزمر 31﴾.

وردت كلمة خصام ومشتقاتها في القرآن الكريم: الْخِصَامِ يَخْتَصِمُونَ خَصِيمًا خَصِيمٌ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا يَخِصِّمُونَ الْخَصْمِ تَخَاصُمُ تَخْتَصِمُونَ خَصِمُونَ تَخْتَصِمُوا. جاء في معاني القرآن الكريم: خصم الخصم مصدر خصمته، أي: نازعته خصما، يقال: خاصمته وخصمته مخاصمة وخصاما، قال تعالى: “وهو ألد الخصام” (البقرة 204)، “وهو في الخصام غير مبين” (الزخرف 18)، ثم سمي المخاصم خصما، واستعمل للواحد والجمع، وربما ثني، وأصل المخاصمة: أن يتعلق كل واحد بخصم الآخر، أي جانبه وأن يجذب كل واحد خصم الجوالق من جانب، وروي: (نسيته في خصم فراشي) (الحديث: قالت له أم سلمة: أراك ساهم الوجه، أمن علة؟ قال: (لا، ولكن السبعة الدنانير التي أتينا بها أمس نسيتها في خصم الفراش، فبت ولم أقسمها). أخرجه ابن قتيبة في غريب الحديث 1/329، وفيه عبد الملك بن عمير وهو ثقة إلا أنه تغير حفظه، وربما دلس.

وردت كلمة خائن ومشتقاتها في القرآن الكريم: تَخْتَانُونَ لِلْخَائِنِينَ يَخْتَانُونَ خَوَّانًا خَائِنَةٍ تَخُونُوا وَتَخُونُوا خِيَانَةً الْخَائِنِينَ خِيَانَتَكَ خَانُوا أَخُنْهُ خَوَّانٍ فَخَانَتَاهُمَا. جاء في معاني القرآن الكريم: خون الخيانة والنفاق واحد، إلا أن الخيانة تقال اعتبارا بالعهد والأمانة، والنفاق يقال اعتبارا بالدين، ثم يتداخلان، فالخيانة: مخالفة الحق بنقض العهد في السر. ونقيض الخيانة: الأمانة، يقال: خنت فلانا، وخنت أمانة فلان، وعلى ذلك قوله: “لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم” (الأنفال 27)، وقوله تعالى: “ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما” (التحريم 10)، وقوله: “ولا تزال تطلع على خائنة منهم” (المائدة 13)، أي: على جماعة خائنة منهم. وقيل: على رجل خائن، يقال: رجل خائن، وخائنة، نحو: رواية، وداهية. وقيل: (خائنة) موضوعة موضع المصدر.

قال الله جل جلاله عن خائن ومشتقاتها منها “وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ” ﴿الأنفال 58﴾، “ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ” ﴿يوسف 52﴾، “إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا” ﴿النساء 105﴾، “إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ” ﴿الحج 38﴾، “وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا” ﴿النساء 107﴾، “وَإِن يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ” ﴿الأنفال 71﴾، “عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ” ﴿البقرة 187﴾، “وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا” ﴿النساء 107﴾.