التصوير الفني في القرآن الكريم

د. فاضل حسن شريف

جاء في كتاب التخييل الحسّي و التجسيم‏ في التصوير القرآني لسيد قطب: ومن (التجسيم) وصف المعنوي بمحسوس: كوصف العذاب بأنه غليظ “وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ” (إبراهيم 17). واليوم بأنه ثقيل. ” وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا” (الإنسان 27) فينتقل العذاب من معنى مجرد إلى شي‏ء ذي غلظ وسمك، وينتقل اليوم من زمن لا يمسك إلى شي‏ء ذي كثافة ووزن.  وضرب الأمثلة على المعنوي بمحسوس، كقوله: “مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ” (الأحزاب 4) لبيان أن القلب الإنساني لا يتّسع لاتجاهين. ومثل: “وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا” (النحل 92) ) لبيان العبث في نقض العهد بعد المعاهدة. ومثل: “وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا ” (الحجرات 12) لتفظيع الغيبة، حتى لكأنما يأكل الأخ لحم أخيه الميت. ومن ذلك: “بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ” (البقرة 81) و “أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا” (التوبة 49). فبعد أن تصبح الخطيئة شيئا ماديّا، تتحرك حركة الإحاطة، وبعد أن تصبح الفتنة لجة، يتحركون هم بالسقوط فيها.  ومنه: ” وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ” (البقرة 42). ” فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ” (الحجر 94) ففي المثال الأول يصبح الحق والباطل مادتين تستر إحداهما بالأخرى. وفي المثال الثاني يصبح ما أمر به مادة يشق بها ويصدع، دلالة على القوة والنفاذ.  ومنه: “اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ” (البقرة 257)‏ ” فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى” (البقرة 256) ففي المثال الأول يستحيل الهدى والضلال نورا وظلمة، ثم تبدأ عملية الإخراج المتخيلة. وفي المثال الثاني يصبح الإيمان عروة، ثم تبدأ الحركة المتخيلة في الاستمساك بها. فتؤدي هذه الصور المجسّمة المتحركة إلى تمثل أوضح وأرسخ للمعنى الخيالي المجرد. بهذه الطريقة المفضلة في التعبير عن المعاني المجردة، سار الأسلوب القرآني في أخص شأن يوجب فيه التجريد المطلق، والتنزيه الكامل: فقال: “يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ” (الفتح 10)‏. “وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ” (هود 7). ” وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ” (البقرة 255)‏. “ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ” (يونس 3)‏. ” ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ ” (فصلت 11)‏. “وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ” (الزمر 67). “وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى” (الأنفال 17)‏. “وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ” (البقرة 245)ُ. “وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا” (الفجر 22). و” وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ” (المائدة 64)‏. “إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ ” (آل عمران 55)‏ إلخ. وثار ما ثار من الجدل حول هذه الكلمات، حينما أصبح الجدل صناعة، والكلام زينة. وإن هي إلا جارية على نسق متبع في التعبير، يرمي إلى توضيح المعاني المجردة وتثبيتها، ويجري على سنن مطرد، لا تخلف فيه ولا عوج. سنن التخييل الحسي والتجسيم في كل عمل من أعمال التصوير. ولكن اتباع هذا السنن في هذا الموضع بالذات، قاطع في الدلالة- كما قلنا- على أن هذه الطريقة في القرآن أساسية في التصوير، كما أن (التصوير هو القاعدة الأولى في التعبير).

عن موقع مكتبة الروضة الحيدرية: بنائية الصورة القرآنية للكاتب عمار عبد الأمير راضي السلامي: ولما كان التصوير الفني في القرآن من أبرز الظواهر الفنية فيه، وقاعدة أسلوبه المعجز، وأداته المفضلة في التعبير، ووسيلته المهمة في تحقيق أهدافه وغاياته، آثرت أن أختار جانباً معينا من جوانب التصوير فيه، اجعله عنواناً لرسالتي، وموضوعاً لبحثي لنيل شهادة الدكتوراه. وبعد بحثي الطويل عن الدراسات المتعلقة بالصورة القرآنية والتصوير، ولاسيما تلك الدراسات الحديثة في الموضوع، وجدت ان أغلب من كتب في الموضوع من المحدثين قد تأثر بما جاء به سيد قطب من قبل، سواء صرَّح بذلك أم لم يُصرّح. فقد كان لسيد قطب الفضل في وضع أسس نظرية التصوير الفني في القرآن، وتوضيح أبعادها، وذكر عناصرها وسماتها وأهدافها، تلك التي وقف عندها كثير من الباحثين، منظرين تارة، ومطبقين تلك النظرية على بعض سور القرآن الكريم تارة أخرى. إلا ان بنائية الصورة القرآنية، وأساليب إخراجها، لم تلق تلك العناية التي تستحق في دراساتهم، فالصورة القرآنية كيان مستقل في النص القرآني، له مواده الاولية، وعناصره المختلفة، وطرائق بنائه المتنوعة، ووسائل إخراجه المشوقة، التي تؤثر في المتلقي مهما تكررت عملية تلقيه، ومهما دارت الأيام والسنون. فهناك أسباب لبقاء هذا التأثير قوياً فاعلاً مستمرّاً يتميز من غيره من النصوص السماوية والبشرية جمعاء.

عن موقع زهاوي: سحر التصوير الفني في النص القرآني للدكتورة زينو عبد الله: الأدب القرآني يُعد أعظم نموذج بلاغي في اللغة العربية، حيث يمتزج فيه الجمال الفني مع الرسالة الإلهية. وفي هذا السياق، يُعد كتاب “التصوير الفني في القرآن” للسيد قطب دراسة فريدة من نوعها. يستعرض قطب في كتابه أسلوب القرآن الكريم في التعبير عن المعاني والأفكار من خلال الصور الفنية التي تتسم بالدقة والجمال والعمق. يُظهر السيد قطب في بداية الكتاب أهمية التصوير الفني كأحد أعمدة البلاغة القرآنية، فهو يري أن النص القرآني يعتمد علي الصور الحسية والبصرية لإيصال الرسالة بشكل مؤثر ومباشر. ويعتبر التصوير الفني في القرآن وسيلة تتجاوز الإيضاح إلي الإيحاء، حيث يخلق صورًا ذهنية تنقل القارئ إلي عوالم النص، مما يجعله يعيش التجربة الشعورية وكأنه جزء منها. التصوير الحسي والبصري في القرآن: من أبرز الأمثلة التي يتناولها قطب هو تصوير يوم القيامة. يوضح كيف أن القرآن يستخدم مشاهد مليئة بالحركة والتفاصيل، مثل قوله تعالي: “يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ، وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ” سورة:المعارج. هذا التصوير البصري يجعل القارئ يلمس رهبة الموقف، ليس فقط كمعني، بل كإحساس عميق يصل إلي القلب والعقل معًا. السيد لا ينظر إلي التصوير الفني كعنصر مستقل عن السياق، بل يربطه بالرسالة الكلية للنص. فعلي سبيل المثال، عند تصوير النفس البشرية في القرآن، يبرز كيف أن النص يصف مشاعر الإنسان بدقة متناهية. سواء كان الحديث عن الخوف والقلق أو الرجاء والسعادة، فإن القرآن يقدم لوحات فنية تعكس التجربة الإنسانية في أنقي صورها. ومن الجوانب التي يسلط عليها الكتاب الضوء هي قدرة القرآن علي الجمع بين الثبات والشمولية في رسالته. التصوير الفني لا يخدم فقط غرض الإيضاح، بل يساهم في تعزيز الرسالة الأخلاقية والروحية للنص. فالمشاهد الفنية ليست فقط أدوات بلاغية، بل تحمل في طياتها دعوة للتأمل في عظمة الخلق والخالق. ويشير قطب أيضًا إلي أن التصوير الفني في القرآن يختلف عن الأساليب الأدبية الأخري. فهو يعتمد علي الصور الكونية والطبيعية التي يتفاعل معها كل إنسان بغض النظر عن ثقافته أو خلفيته. هذا الطابع العالمي يجعل النص القرآني يتجاوز الزمان والمكان، ليكون رسالة مستمرة للعالم أجمع.

الأسلوب البلاغي الأمثل: يُعتبر التصوير الفني في القرآن الكريم أداة بلاغية رئيسية ضمن الأدوات التي يستخدمها القرآن لتوضيح معانيه وإيصال رسالته. لا يقتصر هذا التصوير علي الأبعاد البصرية فقط، بل يتسع ليشمل جميع الحواس، وهو ما يُعده الباحثون خطوةً مبتكرة في البلاغة العربية. التصوير في القرآن يرتبط دائمًا بالمعني العميق الذي يريد القرآن إيصاله إلي البشر. وبالتالي، فإن الصور الفنية في القرآن لا تقتصر على كونها مجرد أدوات لتوضيح الأفكار، بل تعمل على تجسيد المعنى في أذهان المتلقين بشكل مباشر، مما يساهم في تعزيز الرسالة القرآنية بشكل فعال. تمثيل المشاعر الإنسانية: يُعتبر التصوير النفسي من أبرز وأهم الجوانب التي تميز القرآن الكريم عن سائر الأدب البشري. لا يقتصر القرآن علي تصوير الأحداث الخارجية فقط، بل يتطرق أيضًا إلي تصوير المشاعر النفسية التي يعيشها الإنسان. يصف القرآن مشاعر الخوف، الأمل، السعادة، والحزن بكل دقة وصدق، ويُستخدم التصوير الفني بشكل متقن ليعكس حالة الإنسان الداخلية. في سورة الضحي، يقدم القرآن تصويرًا نفسيًا للمشاعر الإنسانية في أوقات الشدة والضيق، “وَالضُّحَيٰ * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَيٰ” (الضحى 1-2). يمثل هذا التصوير تحولًا في حالة الإنسان من الظلام إلى النور، من اليأس إلي الأمل. ففي هذا السياق، يعكس القرآن، من خلال التصوير الفني، حالة نفسية مليئة بالرجاء بعد الشدة، مما يُظهر قدرة النص القرآني علي تمثيل التجربة الإنسانية في أرقى صورها.