جديد

مدينة الدخان.. ومزرعة المعنى

رياض سعد

مدينة الدخان.. ومزرعة المعنى

1- جحيم الرتابة
كانت الأيام تمر فوق رأس فاضل كقطار صدئ لا يتوقف، يحمل في عرباته نفس الوجوه، نفس الغبار، نفس الحر الذي يوشك أن يغلي عروقه .
في إحدى مدن العراق الوسطى القريبة من الجنوب ؛مدينةٍ يشبه صيفها فرنًا مفتوحًا على مدار العام , شمسها لا تعرف الحياء، والهواء فيها ثقيلٌ كأنه يحمل تاريخًا طويلًا من الغبار والتعب ؛ ولد فاضل في مدينة كان مناخها صحراويا حارا، جافا، مشمسا، وقليل الأمطار على مدار العام… ؛ وكأن السماء هناك نسيت أن للفصول وجوهًا مختلفة، فبقيت معلقة في صيف أبدي لا يرحم .
كانت المدينة التي يعيش فيها فاضل تشبه قدرًا كبيرًا تُغلي فيه الشمس البشر ببطء … ؛سماءٌ بيضاء من شدة الضوء، وشوارع يغطيها غبارٌ قديم كأن الأرض تحاول أن تخفي تعبها تحت طبقة من التراب. الهواء نفسه بدا أحيانًا كأنه مريض؛ يتنفس بصعوبة ويُعدي صدور الناس بضيقٍ يشبه ضيق الأيام … ؛كان فاضل واحدًا من أولئك الذين ولدوا في مدنٍ لا تتغير… ؛ الأيام فيها تتشابه كما تتشابه النوافذ في بنايةٍ حكومية قديمة، والسنون تمرّ ببطءٍ كأن الزمن يجرّ قدميه فوق الإسفلت الساخن… .
نشأ فاضل بين رتابتين متوازيتين :
رتابة الحياة الاجتماعية والاقتصادية والعلاقات المتشابكة، ورتابة المناخ القاسي الذي لا يتغير… ؛ اذ كانت الأيام تتشابه حتى صار الزمن نفسه نسخة مكررة من ذاته …
نعم , تسللت الرتابة إلى عظام فاضل كالمرض المزمن: رتابة الحياة الاجتماعية بعلاقاتها المتكررة، ورتابة الاقتصاد بضنكه الأبدي، ورتابة العلاقات العامة التي لا تفضي إلى عمق، ورتابة المناخ القاسي الذي لا يتغير. كان يعيش في صحراء مزدوجة: صحراء الطبيعة وصحراء الروح .
لكن ذاكرة فاضل كانت تقاوم هذا الجمود … ؛كان يتذكر عقد الثمانينيات من القرن المنصرم ، حين كان الليل أبرد، والنسيم أرقّ، والسماء أكثر رأفة بالبشر… ؛ كان أهله يضعون الرقي والبطيخ فوق السطوح ليبردا وحدهما، ويتركون الماء في الحِبّ الطيني فيصير باردًا دون كهرباء أو أجهزة… ؛ وكان الناس ينامون على الأسطح تحت النجوم , ويتحدثون مع القمر ؛ يكتفون بنسيم الليل بدل المكيفات… ؛ لكن تلك الايام ذهبت من غير رجعة … ؛ الان صار الهواء ثقيلاً، كأن المدينة ترتدي معطفًا من الدخان … ؛ كان العالم أقل تعقيدًا… وربما أقل اختناقًا .
جسده نفسه صار مرآةً لبيئته الملوثة , اذ لم يحتمل هذه الحياة … ؛عانى فاضل طويلاً من الأجواء المناخية المسمومة… , اختنق، مرض، وتحسس… ؛ كان يتحسس من كل شيء: حساسية في الأنف والرئتين والدم والجلد والعين… ؛ باختصار، كان يتحسس من كل ما هو ملوث، سام، كيمياوي، وغير طبيعي… ؛ كان جسده يرتجف كإنذار مبكر لكارثة بيئية آتية، لكن أحداً لم يكن يصغي .
نعم , كان يعاني من حساسيةٍ تشبه احتجاجًا بيولوجيًا ضد العالم… ؛ أنفه يرفض الغبار، ورئتاه تعترضان على الدخان، وجلده يحتج على السموم، وعيناه تدمعان من تعب الهواء … ؛ كأن جسده يعلن عصيانًا صامتًا على البيئة التي يعيش فيها .
ذات يوم، وبينما كانت شمس الظهيرة تضغط على صدور الناس، خرج بعض شباب الحي في تظاهرة احتجاجية يطالبون بالخدمات وتحسين الواقع الصحي… ؛ لكنهم أشعلوا النيران في إطارات السيارات الكبيرة … ؛فتتقلع قطع الأسفلت من الشوارع العامة، وتنقطع طرق المواصلات، وتتلوث البيئة، وتنتشر الأمراض الخطرة … ؛ ثم تكدست سحب سوداء كثيفة في السماء… ؛ وبدأ فاضل يختنق … ؛كان الدخان يتسلل إلى صدره كوحشٍ خفي… ؛ ومع كل نفسٍ كان يشعر أن الهواء نفسه صار خصمًا له …
وقف فاضل يتأمل المشهد المتناقض: شباب يطالبون بتوفير الخدمات وتحسين الواقع الصحي وإنشاء البنى التحتية، وهم أنفسهم يحرقون إطارات السيارات الكبيرة، فتتقلع قطع الاسفلت من الشوارع العامة، وتنقطع طرق المواصلات، ويتلوث البيئة، وتنتشر الأمراض الخطرة .
وفي لحظةٍ بين السعال والدوار تساءل في نفسه :هل الطريق إلى الفضيلة يمر عبر الرذيلة؟
وهل يبدأ الإصلاح بالخراب؟
وهل المطالبة بتحسين الواقع الصحي تتجانس مع إحراق الممتلكات العامة وإطلاق الروائح السامة وتلويث الهواء ؟
لم يجد جواباً …!!
بدت له المدينة وكأنها تفكر بمنطقٍ معكوس؛ كأن الناس يريدون إنقاذ الغريق بإلقاء ماء البحر عليه …!!
2- ابنه الذي يرث الجرح
كان المشهد كله يبدو له مثل مفارقة كونية :ناس يطالبون بالصحة… وهم يصنعون المرض بأيديهم … ؛لكن الألم الحقيقي جاء لاحقًا … ؛ ابنه الصغير علي أصيب بعد تلك الحادثة بالربو والتهاب الرئتين، وأصبح مثله يتحسس من تلوث الجو… ؛ ورث الابن مرض الأب، كما يرث أبناء هذا الوطن جراحاته المزمنة… ؛ فما كسر قلبه حقا لم يكن مرضه هو، بل مرض ابنه الصغير ؛ اذ صار صدر الطفل الصغير يصفّر عند كل نفس، كنايٍ حزينٍ يعزف لحن التعب … ؛ حينها شعر فاضل أن الهواء نفسه صار عدوًا لعائلته … ؛ وصار يتمنى لو كان باستطاعته استبدال هذا الوطن بآخر … .
3-دعوة من الجبل
اتصل به أخوه الأكبر، طالب، وقال له بصوتٍ يحمل شيئًا من الطمأنينة :
يا فاضل، لماذا لا تأتي إلى الشمال؟
هناك قرية جبلية في السليمانية… ؛ و لدي صديق كردي طيب اسمه كاكا عبد القادر، يملك فيها مزرعةً تتوسطها فيلا جميلة…, الهواء هناك نظيف… , كأنه خرج لتوه من رئة الغابة ؛ وقد تحدثت معه عن حالتك أنت وابنك، وقد دعاكم للإقامة أسبوعًا هناك.
صمت فاضل لحظة، وكأن الفكرة تبدو له كحلمٍ بعيد … ؛كانت الفكرة تشبه نافذة تُفتح فجأة في غرفةٍ خانقة .
وقال :متى نذهب؟
طالب :
غدًا… , إن شئت .
استعد فاضل للسفر كالذي يستعد للحج … ؛ حزم حقائبه كمن يحزم بقايا روحه ، ملأ سيارته بالبنزين، غير زيت المحرك، ذهب إلى السوق للتسوق… , واشترى مؤونة الطريق… ؛ كان يشعر أنه مسافر إلى جسد آخر غير جسده … ؛ وكأنه على موعد مع خلاص ما …
4-رياح الجنة
في صباح اليوم التالي، انطلقت سيارة فاضل … ؛ كانت العائلة معه: زوجته مريم، وأطفاله علي وسارة وقيس … .
مروا ببغداد ثم ديالى فصلاح الدين فكركوك، حتى دخلوا حدود السليمانية بعد خمس ساعات من السفر… ؛ توقفوا خلالها للصلاة، ولتناول الطعام، ولشراء الفاكهة …
كان الطريق طويلًا، لكنه بدا وكأنه رحلةٌ من زمنٍ إلى زمن … ؛ كلما ابتعدوا عن الجنوب، خفّ ثقل الهواء …
على تخوم السليمانية، فتحت الرياح الباردة ذراعيها لاستقبالهم… ؛ كانت النسمة كيد أم حنون تمسح على وجوههم المتعبة… ؛ تنفسوا بعمق، وكأنهم يتنفسون لأول مرة منذ أن خُلقوا… , امتلأت صدورهم بالهواء النقي ، كأنهم خرجوا للتو من وادٍ مليء بالسموم إلى بستانٍ من الأوكسجين!!
قالت مريم وزفرتها كشهقة عاشق : هكذا يكون الهواء … ؛ كأننا خرجنا من فرنٍ ودخلنا الجنة .
كان السؤال يحمل في طياته خمسة وثلاثين عاماً من الاختناق …!!
5- المزرعة : امرأة من ياقوت
وصلوا إلى المزرعة بعد أن دلهم برنامج الخرائط في جهاز الموبايل… ؛ وجدوا مفتاح البوابة الرئيسية كما قال كاكا عبد القادر، فوق إحدى دعامات البوابة الخارجية… ؛ فتحوا البوابة، وإذا بالمزرعة تستقبلهم استقبال الجنة لأهلها …
دهشوا للمناظر: أرضية معبدة بالحجر والمرمر تؤدي إلى الفيلا عبر سلالم من المرمر الأبيض ؛ المرمر الأبيض كان يلمع كأنه سكر نثرته الجن على الأرض … ؛ نوافذ من الزجاج المضلل الجميل تغطي غرف الفيلا ذات الطابقين، أعمدة إنارة حديثة تصطف على جانبي الطريق كأنها حرس ملكي مهيب … .
أما الأشجار الباسقة فكانت قصة أخرى… ؛ خمسة دوانم من الجنة الموزعة بدقة: عند المدخل تصطف أشجار الرمان و تقف كجنودٍ يحملون قناديل حمراء … ؛ والحمضيات التي تنبعث منها روائح الأزهار العطرة ؛ تعطر الهواء كبخور في محراب : البرتقال، الليمون، النارنج، اللنكي، والسندي… ؛ ثم الأكواخ الخشبية التي تظلل كراج السيارات وفناء الفيلا الأمامي، حيث العنب الذي يتسلق الأخشاب كرياضي يتباهى بعضلاته وهو يصعد الجبال بزهو، ثم تتدلى عناقيده الناضجة كمجوهرات سلطانية تضيء للناظر من بعيد .
ثم أشجار التفاح والإجاص، والجوز واللوز، والورود والزهور التي تملأ المزرعة … ؛ وكأنها أرواح قديمة تحرس المكان ومن فيه …
دخلوا الفيلا عبر الصالة الكبيرة التي يتوسطها درج كبير مزين بمقابض خشب الصاج الجميل، يؤدي الداخل إلى الطابق العلوي… ,الدرج الرخامي يصعد بهم إلى طابق الأحلام .
من السقف تتدلى ثلاث سلاسل طويلة تحمل ثلاث ثريات كريستال كبيرة، تمنح المكان قدسية مرقد ديني أو فخامة فندق خمسة نجوم … ؛ أربعة أبواب خشبية تطل على الصالة: اثنان يؤديان إلى غرف نوم كبيرة مؤثثة بأثاث راقٍ و بذوقٍ هادئ، والثالث إلى مطبخ يلحق به فناء صغير فيه فرن لخبز الخبز وغسالة ملابس ومستلزمات منزلية اخرى ، والرابع إلى حمامات مزينة بأرقى أنواع الكاشي والسيراميك وأحواض الاستحمام الجميلة .
دخل فاضل وزوجته إلى الغرفة الأولى، ودخل الأولاد إلى الثانية .
6-حوار في الجنة المؤقتة
جلست مريم على حافة السرير، تنظر من النافذة إلى الجبل البعيد، ثم قالت بصوت شجي كأنه بكاء قديم : لماذا لم نخلق نحن هنا… ؛ لماذا نحن هناك وهم هنا ؟
أجاب فاضل وعيناه تبحثان عن شيء لا يُرى: لو أن الطرق كانت سالكة، والأقدار مطاوعة ، والأسباب متيسرة، لهرب الجميع من الجميع… ؛ حتى هؤلاء الذين تراهم في جناتهم، يتمنون لو يهربون إلى جنة أخرى …
مريم : لكن لماذا يا فاضل ؟!
فاضل :الإنسان يستطيع أن ينتقل من مدينة إلى أخرى… ومن بلدٍ إلى بلد… ؛لكن المشكلة ليست دائمًا في المكان … ؛ فالإنسان يا مريم لا يهرب من المكان فقط… ؛ قد يهرب من ذكرياته، من فقره، من نظام جائر، من ماضٍ لا يغفر، من جريمة اقترفها أو عار لحق به، من روتين يقتله ببطء… ؛ كل إنسان يحمل في جعبته سبباً للهروب… ؛ نعم : لكل إنسان شيئًا يريد الهروب منه… ؛ أو شيئًا يريد الوصول إليه … ؛ لا يوجد إنسان على وجه الأرض إلا ويتمنى الهجرة من منطقته في يوم من أيام حياته … , و لو أتاح الله للناس الأقدار، وتحكموا بها كما يشاؤون ؛لما بقي أحد في داره وحيه ومدرسته وعمله ومنطقته وبلده… ؛ لهرب الكل من الكل ، ولانهارت الدنيا وانقلبت الأمور رأساً على عقب .
ثم أضاف بصوتٍ هادئ : بعضهم يهرب من الظلم، وبعضهم من الفقر، وبعضهم من الماضي , وبعضهم يبحث فقط عن نفسه , وبعضهم لا يعرف لماذا يمكث ولماذا يرحل …!!
قاضل : ولهذا السبب تغيرت ظروف الناس وتفاوتت معايشهم وأحوالهم… ؛ لكن طالما عانى أحرار الناس من هذه المعادلة… ؛ بل إن بعضهم ضجر وتذمر واعترض على هذه الأقدار التي رفعت أناساً وخفضت آخرين، وأسكنت ناساً في قصور وآخرين في أكواخ … ؛ وفي لحظة صفاء، تذكر فاضل بيت الشعر الذي يلخص مأساة الإنسان مع قسمته الضيزى، فأنشد بصوت خافت :
لو كنتُ كالله لي يدٌ في حركة الأفلاك *** لمحوتُ ما للفلك من آثارْ
وخلقتُ عوالم أخرى *** تسيرُ وفق مشيئة الأحرارْ
تأملت مريم كلماته، ثم قالت: “لله في خلقه شؤون.
7-ضحكة الجنون المقدس
انتهى النقاش… ؛ راحت مريم تتفقد الأطفال في الغرفة الثانية، بينما دخل فاضل إلى الحمام… ؛ بعد خروجه، أمرهم بالاستحمام، ثم أعد الشاي وأحضر معجنات…
جلسوا في المساء جميعاً لأول مرة في حياتهم على طاولة مستديرة من خشب الصاج الفاخر، حولها كراسي من الخشب المطرز بالألوان الذهبية…
احْتَسَوُا الشاي حول الطاولة المستديرة، والمزهرية الكريستالية تتوسطهم – فيها باقة ورد طبيعي تفوح رائحتها في المكان- كشاهد على لحظة استثنائية… ؛ كانوا ينظرون إلى وجوه بعضهم ويبتسمون… ؛ ثم بدأ الضحك كهمهمة خفيفة، ثم كموج، ثم كعاصفة …
فجأة علي ضحك ، فتبعه الجميع : ضحكت سارة وقيس , ثم انفجرت مريم ضاحكة , وبعد لحظة كان الجميع يضحكون بلا سبب ؛ ضحكوا حتى كادت الفيلا أن تطير بهم … ؛ ضحكوا حتى امتلأت الصالة بالقهقهات … ؛ صار الضحك عدوى تنتقل عبر الأثير.
لم يعرفوا لماذا يضحكون… ؛ ربما ضحكوا لأنهم كانوا سعداء حقاً لأول مرة، والسعادة الحقيقية لا تحتاج أسباباً … ؛ ربما لأن الضحك كان غائبًا عن حياتهم منذ زمن طويل … ؛ ربما لأن أرواحهم، مثل صدورهم، احتاجت قليلًا من الهواء … ؛ ربما لأن الضحك كان سجينًا في صدورهم منذ سنوات … ؛أو ربما لأن الإنسان حين يقترب قليلًا من السعادة…, يكتشف أن قلبه لم ينسَ كيف يفرح .
لم يعرفوا لماذا ضحكوا بلا سبب… ؛ خصوصاً أن جيل فاضل ومريم كان جيلاً مؤمناً بمقولات وأمثال كانت أشبه بدساتير للحياة الاجتماعية، منها ( الضحك بلا سبب من قلة الأدب ) لكنهم ربما ضحكوا على تلك المقولة البالية التي لاحقتهم طوال عمرهم: “الضحك بلا سبب من قلة الأدب”… ؛ ربما ضحكوا لأنهم اكتشفوا أن الضحك بلا سبب هو أجمل أنواع الضحك… ؛ولعل هذه الضحكات هي الضحكات الحقيقية الصادقة البريئة التي حرموا منها بسبب الكبت والتقيد بالعادات والتقاليد والرؤى العفنة .
8- حفلة الشواء اللذيذ
خلدوا الى النوم باكرا , ثم استيقظوا في اليوم الثاني عند الواحدة ظهرا … ؛ وبعد تناول الفطور الذي عوضهم عن وجبة الغداء … ؛ نهضوا وراحوا يمشون في المزرعة، جابوها طولاً وعرضاً، لم يتركوا متراً إلا وطئوه بأقدامهم… ؛ شاهدوا مسبحاً كبيراً ممتلئاً بالماء الصافي الزلال، وحوله كراسي ومصاطب للجلوس …
غابت الشمس سريعاً… ؛ أضاءوا الفيلا والمزرعة بالمصابيح الكهربائية، وأخرجوا الموقد الحديدي للشواء، وأعدوا الحطب… ؛ ثم قامت مريم بإعداد أسياخ اللحم والكفتة والكباب… ؛ عندما احترق الخشب، خرجت منه رائحة زكية… ؛ ثم هبت عليهم نسمة شمالية عذبة زادت من سعير النار ومن لهيب قلوبهم العطشى لمثل هذه الأجواء الجميلة التي تشعرهم بأن للدنيا فصولاً وطقوساً مختلفة ورياحاً متغيرة… ؛ فقد سئموا الحر وضوء الشمس الحارق في منطقتهم المنكوبة .
قال علي ببراءة:بابا، هذا اللحم طيب جداً ,كأني آكل اللحم لأول مرة.
أجاب فاضل: نعم يا بني، لأن الحطب طبيعي من أشجار الغابات، واللحم طري، والهواء عليل… ؛ اعلم يا بني أن السعادة تتكون من عدة أجزاء، وكل شيء جميل يتكون من عدة عناصر… ؛ هناك أشياء لا تتم إلا باكتمال جميع عناصرها… ؛ مثل الماء الذي جعل الله منه كل شيء حي، يتكون من عنصرين أساسيين: الهيدروجين والأوكسجين… ؛ فلولا اجتماع هذين العنصرين، لما صار الماء عذباً يمنحك طعم الحياة… ؛ لكن الناس يا بني يعفون تلك الحكمة، ويطلبون من الحياة نتائج مكتملة بمقدمات ناقصة …!!

9- ليلة الرعب الوهمي
في الليلة الثانية ذهب كل الى فراشه , لكنهم لم يناموا … ؛ فقد هبت رياح قوية كأرواح ثائرة … ؛ و الرعد يضرب السماء، والبرق يشق الظلام.
الابواب صرت كأبواق يوم القيامة , الاشجار تمايلت كسكارى , الامطار انهمرت في شهر أيار…,لأول مرة يشاهدون المطر في شهر أيار؛ وكأن الزمن أصيب بالجنون …
انطفأت الكهرباء، فصار الظلام كثيفاً كقطيفة سوداء… ؛ الاطفال التصقوا ببعضهم…؛ اصوات الرعد كانت كطبول معركة همجية بدائية لاقوام متوحشة … ؛و تحركت ستائر النوافذ … , وبدت الفيلا كأنها سفينة في بحرٍ هائج.
خاف الأطفال … ؛ ولكن فاضل قال لهم وهو يهدئهم :
الإنسان البدائي كان يخاف من هذه الظواهر الطبيعية ويربطها بعالم الاشباح والقوى الخفية … ؛ لانه لم يفهمها … ؛ بعضهم عبدها … ؛ وبعضهم تخيل فيها آلهةً أو شياطين.
ثم نظر إلى النافذة وأضاف:
انتم ايضا , تخافون منها لأنكم لا تفهمونها…؛لكن الخوف الحقيقي ليس من الرعد، بل من بشَر لا يفهم النواميس الكونية والقوانين الطبيعية … ؛ فالخوف غالبا ما يولد من الجهل لا من الحقيقة .
سأل علي بصوته المتهدج:وهل توجد الجن والشياطين حقاً.؟
أجاب فاضل:البعض يخلقونها في عقولهم ثم يخافون منها… ؛ كما ان البعض يخلقون الأكاذيب والأوهام ثم يستميتون في الدفاع عنها… ؛ فالعبرة يا بني في الإنسان نفسه، فهو وحده القادر على اليقين أو الرفض… ؛ بعض الناس يفسرون سلوكك تفسيراً مقلوباً لأنه ينسجم مع تصوراتهم المسبقة عنك… ؛ فلا تكن مثلهم … ؛ لا تخلق شياطين ثم تخاف منها .
نعم ,الأطفال ما زال بعضهم يخاف من هذه الظواهر بسبب جهله بحقيقتها، أو إيمانه ببعض الأفكار الماورائية التي تتحدث عن مخلوقات تظهر في الظلام.
صرير الأبواب وأصوات الأشجار شكلت سيمفونية رعب لم يسمعوها من قبل… ؛ دهشوا … ؛ لم تغمض عيونهم إلا بعد ساعات من المراقبة… ؛ رغم كلام فاضل ..,ثم ناموا تعبا .
نهضوا في الساعة الحادية عشرة صباحاً… ؛ لم يشاهدوا أشعة الشمس القوية التي كانت تنزل عمودياً على رؤوسهم في منطقتهم، لأن المزرعة كانت بين جبلين يحجبان ضوء الشمس العمودي عنها وعن المزارع القريبة .
أعدت مريم الفطور، وجلسوا على المائدة الجميلة يتحدثون عن الليلة الماضية …
قالت سارة : الاجواء كانت مخيفة للغاية .
رد قيس : لم تكن كذلك عندما كانت الكهرباء موجودة… ؛ نعم، بعد انطفاء الكهرباء، شكل الظلام مع أصوات الرعد والبرق والرياح تحالفاً مخيفاً.
9- الشواء الاخير
في الليلة الرابعة، أعدوا الشواء… ؛ اللهب كان يرقص والحطب يئن بأريج عذب؛ ومريم كانت تشوي الكباب ككاهنة تؤدي طقسها الاخير … .
نظروا إلى بعضهم في صمت… ؛ كانوا يعرفون أن هذه الليلة قد تكون الأخيرة … ؛ فقد جاء الاتصال من المدينة قبل بضعة ساعات كصاعقة في ليلة صافية :أم فاضل في المستشفى، فقد تعرضت لوعكة صحية.
قضوا أربعة ليالي جميلة مليئة بالسعادة والفرح والبهجة… ؛ انفتحت شهيتهم للطعام، وأصبح بعضهم يناقش بعضاً كأنهم يتعرفون على بعضهم لأول مرة… ؛ غمرتهم الطاقة الإيجابية.
10- العودة الى الجحيم
حزموا حقائبهم بسرعة… ؛ والطريق الى المدينة كان أسرع من طريق المجيء … ؛ كأن السيارة نفسها كانت تعرف أنها عائدة الى السجن ؛ فأسرعت لتنهي فترة الافراج المؤقت .
في الطريق، كان علي يسعل… ؛ الغبار يلاحقهم كقدر لا مفر منه… ؛ نظر فاضل في المرآة، فرأى وجه ابنه الشاحب، وخلفه جبال السليمانية تبتعد كحلم ينتهي سريعا .
قالت سارة بصوتها الطفولي:متى نعود إلى المزرعة يا بابا؟
لم يجب … ؛ كان يعرف أن العودة قد لا تحدث أبداً… ؛ليس لأن المسافة بعيدة، بل لان الظروف قد لا تساعده على السفر مرة اخرى .
وفي النهاية، نحن جميعاً مسجونون في جغرافيا أقدارنا، حتى لو زرنا الجنة مؤقتاً، سنعود لنستيقظ على رائحة الإطارات المحترقة، وصوت طفل يبحث عن هواء نقي في وطن لا يعرف سوى ريح السموم .
11- الرجوع الى الرتابة والتلوث البيئي
عاد فاضل إلى حيه القديم، إلى ذكرياته القديمة، إلى روتينه القاتل، إلى أمراضه المزمنة، إلى التلوث والتخلف … ؛ لكن شيئاً في داخله قد تغير… ؛ تلك الليالي الاربعة تركت في روحه جرحاً جميلاً… ؛جرحاً سيجعله يقاوم أكثر، يحلم أكثر، وربما يوماً ما؛يهرب أكثر .
نام علي تلك الليلة وفي صدره أزيز خفيف، لكن على وجهه ابتسامة لا تفارقه… ؛ كان يحلم بالمزرعة، بالجبل، بالهواء الذي يداعب وجهه كأم لم تنجبه … ؛وفاضل بقي ساهراً ينظر إلى السقف، يتمنى لو كانت له يد في حركة الأفلاك، فيمحو آثار الفلك ويخلق عوالم أخرى تسير وفق مشيئة الأحرار…
لكنه عاد ليضحك في الظلام، ذلك الضحك المجنون الذي تعلمه هناك، ويهمس لنفسه : الحرية ليست في امتلاك الجنة، بل في زيارتها من حين لآخر… ؛ربما السعادة ليست في الهروب الدائم، بل في جرعة أوكسجين تكفي لتعيش بقية عمرك في وطنك.
وعاد إلى صدره نفس ثقيل، لكن في قلبه نسمة عليلة لا تموت .