الحرية الشكلية للمرأة في ظل النظام الرأسمالي

أميمة محفوظ

تُعد قضية المرأة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الفكر الإنساني المعاصر، حيث تداخلت فيها الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والنفسية. ومع التحولات التي شهدها العالم بفعل العولمة وصعود النظام الرأسمالي، أصبح الجسد الأنثوي مركزًا لعمليات التسليع والاستهلاك، حتى باتت المرأة تُقاس قيمتها بما تمتلكه من مظهر وجمال لا بما تحققه من فكر أو وعي. وترى الكاتبة والمفكرة والدكتورة المصرية نوال السعداوي أن المرأة في المجتمعات الحديثة لا تختار شكلها أو نمط حياتها بحرية تامة، بل وفق ما يفرضه المجتمع الطبقي الرأسمالي والنظام الأبوي الذي يحدد لها كيف يجب أن تكون شكلًا وفكرًا وسلوكًا. فحتى ممارسات تبدو “شخصية” مثل وضع المكياج أو اختيار الملابس ليست، في رأيها، قرارات حرة، بل استجابات لا شعورية لضغط اجتماعي واقتصادي وثقافي يهدف إلى إخضاع المرأة لمنظومة الاستهلاك. ولم يعد الجمال مجرد ذوق شخصي أو تعبير عن الذات، بل أصبح سلعة تُنتج وتُسوّق وتُستهلك.

شركات التجميل والموضة والإعلانات لا تبيع منتجًا فحسب، بل تبيع صورة مثالية للأنوثة: امرأة نحيفة، بشرتها ناعمة، وجهها مصقول بالمكياج، وثيابها تواكب أحدث الصيحات. تُقنع هذه الصناعة النساء بأن تحقيق هذا “المظهر المثالي” هو الطريق إلى القبول الاجتماعي، إلى الحب، وإلى النجاح المهني. لكن في جوهر الأمر فإن المرأة لا تسعى هنا إلى التعبير عن نفسها، بل تحاول أن تتكيف مع معايير يفرضها رأس المال، ليضمن استمرار استهلاكها لمزيد من المنتجات. هكذا يتحول الجمال إلى أداة قمع ناعمة: قيدٌ مغلف بالحرية، واستعبادٌ يُقدَّم في ثوب الاختيار. وبالتالي ما يبدو “حرية شخصية” في المجتمعات الرأسمالية غالبًا ما يخفي وراءه استلابًا فكريًا وثقافيًا.

فالمرأة التي تظن أنها تختار كيف تظهر أو كيف تعيش، في الحقيقة تخضع لتوجيه غير مباشر من خلال الإعلام، الإعلانات، السينما، والمشاهير الذين يروّجون لأنماط موحدة من الجمال والنجاح.

إنها حرية شكلية لا جوهرية، إذ لا تختار المرأة بناءً على وعي ذاتي، بل بناءً على ما صُمّم لها لتصدّقه. ومن هنا يمكن القول إن النظام الرأسمالي لم يحرر المرأة بقدر ما أعاد تشكيل استعبادها بطريقة أكثر نعومة وذكاء. وفي عصرنا الحديث، تم إعادة تعريف النجاح وفق معايير مادية بحتة: العمل، المال، الشهرة، والقدرة على الاستهلاك.

فأصبحت المرأة تُقاس بقدرتها على الإنتاج الاقتصادي لا التربوي أو الثقافي.

وهنا يمكن القول إن النظام الرأسمالي نجح في جعل المرأة تفكر بعقل السوق لا بعقل الأم أو المثقفة؛ أي أنها أصبحت تنظر إلى ذاتها كمشروع فردي للربح والتميز، لا كجزء من عملية إنسانية واجتماعية لبناء الوعي الجمعي.

وإن كانت الاستقلالية المادية ضرورية بلا شك، إلا أن حصر قيمة المرأة في بعدها الإنتاجي المادي يُفرغها من بعدها الإنساني والوجداني، ويُضعف دورها في التنشئة وبناء الوعي لدى الأجيال.

 رغم مظهر التحرر، لم تتحرر المرأة من منطق السوق؛ إذ ما تزال تُقاس قيمتها بما تملك وما تستهلك. أما التحرر الحقيقي، فهو تحرر الوعي: أن تعرف المرأة من تكون، وماذا تريد، دون أن تحدد لها الشركات أو الإعلام أو العادات هذا المعنى. التحرر ليس في أن تختار المرأة الماكياج أو ترفضه، بل في أن تفهم لماذا تختار أصلاً.