قلم (كامل سلمان )
هناك ظاهرة غير طبيعية تزداد حدة كل يوم في مجتمعنا والمجتمعات الأخرى هي ظاهرة التمرد على الأديان ، هي ظاهرة شبابية بأمتياز ، لا نتحدث عن الإلحاد هنا لأن الإلحاد معتقد أيدلوجي قديم منذ آلاف السنين وليست ظاهرة إنما نتحدث عن ردة فعل طيف واسع من الشباب الذين لم يعد يرون أية ضرورة لوجود الدين في حياتهم وحياة المجتمع ويحملّون الدين سبب معاناتهم ، يسخرون من فكرة الإله واليوم الأخر والجنة والنار وهذه الظاهرة منتشرة في جميع دول العالم وخاصة في الدول الإسلامية والأسباب وراء إنتشار هذه الظاهرة كثيرة فهناك أسباب معيشية واسباب نفسية واسباب فكرية وأيدولوجية وسياسية لكن دائماً السبب الأكبر عند معظم الناس في مجتمعاتنا هو إساءة توظيف الدين الذي تحول إلى فكر ضار ، وهو ما نسميه بردة الفعل لسلوكيات ادعياء الدين ، أن رجال الدين الذين ينظر اليهم الناس على إنهم صورة مثالية للدين أضحوا صورة سيئة للدين ، يقدمون المواعظ والنصائح والحكم للناس ويوصونهم بالزهد والصبر على نكبات الدهر بينما هم أنفسهم صاروا يعيشون الثراء الفاحش فتحولت حياتهم إلى البذخ من قصور وسيارات حديثة وتعدد الزوجات وبطون مملوءة بالسحت الحرام وسفريات حول العالم في الوقت الذي لا يجد الشباب فرص للعمل ويتحسرون على الزواج . أن الدين الذي كان يمثل المتكأ الذي يتكأ عليه الناس عند زيادة أحمال الحياة فيخفف عنهم هذه الأحمال وعذاباتها ويشحن طاقاتهم تحول إلى العكس لذلك أصبح النفور من الدين والتمرد على الدين أحدى أهم ظواهر العصر ، طبعاً هذا الشيء مؤسف حقاً لأن الدين لم يأتي ليكون سبباً للتعاسة ، ولا يمكن أن نحمّل الدين أسباب التردي بل السبب دائماً بمن وضع نفسه كممثل للدين بدون وجه حق ، رجال الدين لهم قدرات خطابية على جذب الناس لكن في النهاية الناس سترى الفارق بين الكلام والواقع . رجال الدين يعتقدون يقيناً بأن المواعظ والخطب رهان ناجح في السيطرة على عقول العامة وقيادتهم إلى حيث يشاؤون وبالحقيقة هم لا يملكون غير المواعظ والخطب ليقدمونها إلى محبيهم ، مهنتهم تسويق الدين كما تسوّق البضائع بالدعاية والإعلان ولا يستطيعون الغوص في اعماق الناس لكشف حجم الهموم التي يعانون منها وخاصة طبقة الشباب لأنهم لا يملكون هذه الأهلية ، فرجل الدين يفهم الدين لكنه لا يفهم حاجات الناس فهو رجل محدود الاستيعاب بحكم النصوص . قديماً كانت المواعظ والخطب تعطي ثمارها بسرعة لأن متطلبات الحياة كانت محدودة جداً والمسؤولية لأفراد المجتمع بسيطة ونفس رجل الدين كان هو المثال للزهد نحيف الجسد أخمص البطن يعيش حياة بسيطة فكانت كلماته ومواعظه تخرج من قلبه بكل صدق قبل لسانه عكس رجل الدين الحالي الذي يمثل الجشع واللصوصية واحياناً الإجرام والإرهاب ومواعظه للناس ليست حقيقية وغير صادقة وكذلك الحياة اليوم أصبحت فيها متطلبات كثيرة والمسؤولية أصبحت كبيرة فالمواعظ والخطب أصبحت عديمة القيمة فعندما يطلب الناس خدمة الكهرباء وهم يموتون حراً يعطيهم رجل الدين المواعظ ، ماذا يفعلون بالمواعظ هل فيها تبريد تبعد عنهم الحر ؟ وعندما يطالبون بتوفير فرص العمل يلقى على مسامعهم الخطب وأطفالهم يتضورون جوعاً ، هنا رجل الدين أصبح جزءاً من منظومات الفساد المنتشرة بشكل غير شرعي في الدول التي يتحكم بها رجال الدين . بعض الاحصائيات غير الرسمية تشير إلى أن نسبة الشباب المتمرد على الدين والسالك لطريق الإلحاد تفوق نسبة المتدينين وخاصة عند الفتيات اللواتي يتطلعن لحياة أكثر كرامة وأكثر حرية وهن يعيشن ضغوطات العادات والفروض الدينية والحرمان إضافة إلى إنحسار الزواج المناسب . من غير المستبعد أن يأتي اليوم الذي يكون فيه هؤلاء المتمردون على الدين قوة كبيرة تنتفض وتعلن نفسها بدون خوف وتردد وتتحدى الواقع الديني للمجتمع ، الشيء المقلق هو أن يتحول المتدينون إلى العنف والإرهاب بحجة الحفاظ على الدين والتراث ضد هؤلاء المتمردين الذين يبحثون عن حياة طيبة إسوة ببقية شعوب الأرض فتتحول حياة مجتمعاتنا إلى فوضى و جحيم يضاف إلى أنواع الجحيم الحالية ، طبعاً هذه السيناريوهات المتوقعة لا يمكن حدوثها في الدول التي لها استقرار سياسي ودستور قوي ومستوى معيشي جيد فهذه من اختصاص مجتمعاتنا ودولنا التي تعطي الدين وتسلب الحقوق ، لهذا السبب كنا دائماً نتخوف من ضعف الدولة فمثل هذه الفتن تقلقنا كثيراً إن حدثت لأن مجتمعاتنا تمتاز بوقاحة ووحشية المشحونين دينياً وبنفس الوقت ليست لنا دولة قادرة على التصدي للفتن و وأدها في مهدها مما سيجر على المجتمع بالتأكيد الويلات الجديدة والسيناريوهات المبهمة والتي تكون ضحيتها الأبرياء . بالمختصر التمرد على الدين لا يصح تجاهله ويجب احترام متطلبات الناس وعدم خداعهم بالدين لإسكاتهم . نحن مع الدين الذي يوفر السعادة للناس وليس الدين الذي يسلب السعادة من الناس .
ظاهرة التمرد على الدين