تغريدة الصدر حول نتائج الانتخابات البرلمانية : تحذير من حرب أهلية أم بداية صفارة انطلاقها؟

صباح البغدادي

قبل أيام قليلة، ألقت تغريدة السيد مقتدى الصدر – عبر صفحته الشخصية في منصة X – قنبلة سياسية لا تبشر بخير:”السلاح عاد منفلتاً، والمليشيات عادت تتقاسم السلطة، والجميع عاد ليشارك في حماية الفساد والفاسدين.”هذه الكلمات، بصراحتها الدامغة، ليست مجرَّد شكوى؛ إنها تحذير من كارثة قادمة. في ظل النتائج الأولية للانتخابات البرلمانية السادسة (56.11% مشاركة، مع فوز الإطار التنسيقي الولائي بقوة)، يُعيد الصدر إحياء شبح الحرب الأهلية، مُحذِّراً من تهميش التيار الصدري – الذي قاطع الانتخابات – في معادلة السلطة. هل هي مجرَّد تهديد مبطن ورسالة شديدة اللهجة إلى من يهمه الأمر ، أم بداية لتصعيد يُشعِل فتيل مواجهات مسلحة بين سرايا السلام والحشد الشعبي؟ هذا التحليل الاستشرافي يُتخيَّل سيناريوهات محتملة، مُستنداً إلى الدروس التاريخية، ليُنذِر قبل فوات الأوان.فلم تكن تغريدة السيد مقتدى الصدر مجرد انتقاد عابر للحالة السياسية، بل كانت صفارة إنذار حادة، كاشفةً أن القوى التي أخرجت العراق من دائرة العنف المسلح المباشر باتت على شفا حفرة من الصراع الداخلي الذي قد يكون الأكثر دموية. عباراته التي وصفت “السلاح المنفلت” و”المليشيات المتقاسمة للسلطة” ليست مجرد تشبيهات، بل هي خريطة طريق لصراع ينتظر شرارة واحدة فقط.


تبدو خطورة الموقف في أمرين أساسيين:

  1. المقاطعة التي تحولت إلى فخ: لقد راهن التيار الصدري على إضعاف شرعية الانتخابات بمقاطعتها، محاولاً إسقاطها شعبياً إذا قلت نسبة المشاركة عن 30%. لكن النسبة التي تجاوزت 56% قلبت الطاولة على هذا الرهان، وأخرجت التيار من المعادلة الرسمية، مما يخلق لديه شعوراً بالإحباط والخطر، ويجعله أكثر استعداداً للعودة إلى الشارع والقوة كخيار أخير لحماية وجوده وتأثيره.
  2. القوة المعلقة (سرايا السلام): وجود سرايا السلام كقوة مسلحة منظمة وعاملة داخل مؤسسة الحشد الشعبي، يشبه وجود جيش في حالة تأهب. هذه القوة هي الورقة الرابحة للتيار الصدري وأكبر مخاوف خصومه في الوقت ذاته. أي محاولة لتهميش التيار سياسياً لن تأخذ في الاعتبار قوته على الأرض فحسب، بل قد تفسر على أنها مقدمة لتفكيك هذه القوة أو تحييدها، وهو ما سيرد عليه التيار بحزم.

السيناريو الأسوأ:
الكارثة ستندلع إذا ما تحول الصراع السياسي على المناصب والحصص إلى مواجهة مسلحة على الأرض. لا تحتاج هذه المواجهة إلى قرار مركزي، بل قد تبدأ بحادث مفتعل أو اشتباك عرضي بين سرايا السلام وأحد الفصائل الأخرى في منطقة مختلطة. ومع وجود سلاح منفلت وخطابات متصاعدة، سيكون من المستحيل احتواء أي حادث من هذا النوع، وسرعان ما تتحول إلى حرب شوارع طائفية-سياسية.

التحالف الأكثر خطورة:
في هذا السيناريو، لن يكون التيار الصدري وحيداً. يمكنه بسهولة إحياء تحالفه مع “ثوار تشرين” الذين ما زالوا يشكلون قوة ضغط شعبية هائلة في الساحات. هذا المزيج بين التنظيم المسلح للتيار والغضب الشعبي للثوار، هو بالضبط ما أطاح بحكومة عادل عبد المهدي سابقاً، وهو قادر اليوم على إشعال حرب لا يُحمد عقباها.

قاطع التيار الصدري الانتخابات، مُعتقِداً أن نسبة مشاركة أقل من 30% ستُجعَل الدورة “غير دستورية”، مُمكِّناً الطعن في شرعيتها أمام المحكمة الاتحادية العليا (المادة 50 من قانون الانتخابات). لكن الرياح جاءت عكسية: بلغ الإقبال 56.11% – الأعلى منذ 2005 – مُعطِياً الشرعية للفائزين، خاصة الإطار الولائي (دولة القانون ~40 مقعداً، صادقون ~20، بدر ~15، قوى الدولة ~25). هذا الفوز يُعزِّز مطالب المليشيات المدعومة إيرانياً بحصة كبيرة من المناصب (3 وزارات على الأقل، بما في ذلك دفاع أو داخلية)، بينما يُهمِّش الصدريين تماماً.لكن التهميش ليس كاملاً: بعض قيادات التيار ما زالت تحتفظ بمناصب في الحكومة السودانية (مثل في الوزارات التقنية)، وسرايا السلام – الجناح العسكري الصدري – لا تزال جزءاً حيوياً من الحشد الشعبي (أكثر من 100 ألف مقاتل). هذه “الوجودية المُعلَّقة” تُحوِّل سرايا السلام إلى قنبلة موقوتة، في انتظار “إشارة البدء” من الصدر، الذي يُرى كـ”الزعيم الروحي” لملايين الشيعة الفقراء في الوسط والجنوب.

التيار الصدري، الذي يُمَثِّلُ ملايين الشيعة في الوسط والجنوب، قاطَعَ الانتخابات ظانًّا أنَّها ستُصْبِحْ غير دستورية إذا انخفضت المشاركة دون 30% – وهو افتراضٌ استندَ إلى “معضلة الثلث المعطل” في 2022. لكن “رياح الصناديق” أتَتْ بما لا تشتهي: 56.11% مشاركة، مما يُعْطِيْ الشرعية للفائزين (الإطار التنسيقي الشيعي، بقيادة السوداني والمالكي، حوالي 100 مقعد). هذا يُمَكِّنْ المليشيات الولائية (مثل بدر وصادقون، التي حصدت ~40 مقعدًا) من تقاسم الكعكة – وزارات الدفاع، الداخلية، والطاقة – دون حاجةٍ للصدريين.لكن التهميش ليس كاملاً: بعض قيادات التيار ما زالتَ تُحْتَفِظْ بمناصب في الحشد، وسرايا السلام (التي تُقَدَّرُ قوَّتُهَا بـ20 ألف مقاتل) تُبْقِيْ على حيويتها كـ”ورقة ضغط”. إذا أُغْلِقَ البابُ أمام مشاركتهم في الكابينة، فإنَّ تغريدة الصدر ستُصْبِحْ مَنِيفِسْتُوْ لمواجهة: احتكاكٌ مُصْطَنَعْ بين سرايا السلام وفصائل الحشد، أو حتى حادث عرضي في بغداد أو النجف يُشْعِلْ الفتنة.2. الطعن في الشرعية: سلاح الـ56% المزدوج الحدَّةتوهَّمَ الصدريون أنَّ المقاطعة ستُجْعَلْ الانتخابات “غير مُمَثِّلَةْ” للشعب، مُسْتَخْدِمِينَ النسبة المنخفضة كسلاحٍ قانوني أمام المحكمة الاتحادية (التي رفَضَتْ طعونًا مشابهة في 2021). لكن الـ56% – الأعلى منذ 2005 – تُعْطِيْ النتائج شرعيةً حديدية، مُمَكِّنَةً الإطار من تشكيل حكومة “أغلبية” دون صدريين. هنا تكمن الخطورة: الصدريون سيُطْعُنُونَ في “التمثيل الحقيقي”، مُدَّعِينَ أنَّها تُمَثِّلْ “الطبقة الفاسدة” فقط، مُسْتَخْدِمِينَ وسائلَ التواصل (إكس، فيسبوك) لتحشيد الشباب الغاضب. إذا تَحَجَّمَ الإطار، فإنَّ هذا الطعن قد يُتَحَوَّلْ إلى احتجاجات مسلَّحة، كما في 2016 أو 2022.3. سيناريو الحرب الأهلية: إعادة تشرين أم نهاية البداية؟الاستشراف هنا مُرْعِبْ: إذا تَعَامَلَ الإطار مع الصدريين كـ”خارجين عن المعادلة”، فإنَّ سرايا السلام – التي تُنْتَظِرْ “إشارة البدء” من الصدر – قد تُشْعِلْ مواجهةً مُسْلَّحَةْ مع فصائل الحشد (مثل كتائب حزب الله أو عصائب أهل الحق). هذا ليس خيالاً: في 2022، أدَّى انسحاب الصدر إلى أعمالَ شغب دَمْوِيَّةْ أودَتْ بحياةِ 30 شخصًا. اليوم، مع بقاءِ المناصبِ الصدريةِ في الحشد، أي محاولةِ للإقصاءِ قد تُحْوِلْها إلى حربِ أَهْلِيَّةْ مُصْغَرَةْ في بغداد أو كربلاء.أضعفُ الإيمانِ: التعاونُ مع ثوارِ تشرين لإعادةِ سيناريوِ عبدِ المهديِ (الذي أسقَطَهُ الصدرُ في 2019). الشبابُ الغاضبُ (32% بطالة) جاهزٌ للشوارعِ، وسرايا السلامِ تُقَدِّمْ الدعْمَ المسلَّحَ. النتيجةُ المُحْتَمَلَةْ: فوضىُ 2019 مُضَاعَفَةْ، تُعْطِلْ تشكيلَ الحكومةِ أشهرًا، وتُفْتَحْ أبوابَ التدخُّلِ الإقليميِ (إيرانِ تُدْعَمُ الإطارَ، أمريكا تُضْغَطْ عَبْرَ السوداني).الخاتمة: هل ننتظر الإشارة، أم نُطْفِئْ الفتيل؟تغريدةُ الصدرِ ليستْ مجرَّدَ شكوى؛ إنَّها دعْوَةْ مُسْتَتْرَةْ للتحَشِيدْ، تُحْذِّرْ من عودةِ “السلاحِ المنفلتِ” إذا لمْ يُشْمَلْ التيارُ في “الكعْكَةْ”. الـ56% شَرَعَنَ الانتخاباتَ، لكنَّهَا أَيْضًا تُعْرِضْ الصدريِّينَ للتهميشِ الكاملِ – وهوَ الذي يُشْعِلْ الحروبَ الأَهْلِيَّةْ في التاريخِ العراقيِّ (2006-2008). الاستشرافُ الاستباقيُّ يقولُ: إذا لمْ يُجْدِ السودانيُّ (كوسيطٍ) مكانًا للصدريِّينَ في الكابينةِ، فإنَّ “إشارةَ البدءِ” ستَأْتِيْ – ربَّمَا بِحَادِثٍ مُصْطَنَعٍ أَوْ عَرَضِيٍّ. الحلُّ الوحيدُ: حْوَارٌ وطَنِيٌّ مُسْتَعْجَلْ بِحُضُورِ الإطارِ والصدريِّينَ وَالْقُوَىِ الْمَدَنِيَّةِ، لِتَقْسِيمِ الْأَمْتِيَازَاتِ بِشَفَافِيَّةٍ وَدُونْ إِقْصَاءٍ. العراقُ لَيْسَ لَعِبَةً؛ إِنَّهُ وَطَنٌ يَنْتَظِرْ إِرَادَةً وَطَنِيَّةً حَرَّةً. أَمْ سَتَكُونْ تَغْرِيدَةُ الصَّدْرِ بِدَايَةَ النِّهَايَةِ؟

اليوم اصبح العراق يقف عند فهوة بركان قد ينفجر في اي لحظة على الجميع ليقذ حممه أما التكتلات السياسية الفائزة بالانتخابات فأنها تقف عند مفترق طابع خطير. نحن نقرأ تغريدة الصدر هي آخر وأوضح إنذار. اللعبة السياسية لم تعد مقصورة على توزيع المناصب والامتيازات ، بل أصبحت رهينة بتوازن رعب داخلي. إن تهميش أي طرف يمتلك القوة والجماهيرية، تحت غطاء نتائج انتخابات، لن يكون إلا شرارة في مستودع بارود أصبح جاهزاً للانفجار في أي لحظة. المستقبل القريب سيكشف إن كانت الأطراف تتعلم من دروس الماضي، أم أن العراق مقبل على فصل جديد من العنف، قد يكون الأقسى في تاريخه الحديث.