العمالة الأجنبية والوافدون في العراق: قراءة سياسية-اجتماعية في التداعيات والمآلات

رياض سعد

يشهد العراق منذ سنوات طويلة تصاعدًا ملحوظًا في أعداد العمالة الأجنبية والوافدين واللاجئين والمقيمين غير العراقيين، حتى بات هذا الملف من أكثر الملفات حساسية وتأثيرًا في الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي للبلاد… ؛  فالقضية لم تعد مجرد حركة عمالة طبيعية تفرضها ظروف السوق أو نشاط سياحي ، بل تحوّلت إلى ظاهرة مركّبة ذات أبعاد أمنية وديموغرافية واقتصادية، تداخلت فيها اعتبارات السيادة مع ضعف التشريعات وغياب التخطيط الاستراتيجي.

تشير التقديرات غير الرسمية إلى وجود ملايين الأجانب داخل العراق، ينتمون إلى جنسيات متعددة: عربية وآسيوية وإفريقية، من بينهم عمال، ولاجئون، ومقيمون بصورة مؤقتة أو دائمة، فضلًا عن فئات تسعى إلى الحصول على الجنسية العراقية، وقد نجح كثيرون فعلًا في ذلك خلال العقود الماضية في ظل ظروف سياسية استثنائية، وحروب، وانهيارات مؤسساتية، وغياب الرقابة الصارمة على ملف الجنسية والإقامة.

من الناحية الاقتصادية، يمثّل هذا الوجود الكثيف ضغطًا مباشرًا على سوق العمل العراقي، ولا سيما في بلد يعاني أصلًا من نسب بطالة مرتفعة بين شبابه… ؛  فكل فرصة عمل يشغلها عامل أجنبي تعني – بصورة أو بأخرى – إقصاء عامل عراقي أو حرمان عائلة عراقية من مصدر رزق محتمل… ؛  كما أن التحويلات المالية التي يرسلها هؤلاء العمال إلى بلدانهم تستنزف العملة الصعبة، وتُخرج مليارات الدولارات سنويًا من الدورة الاقتصادية المحلية، دون أن يقابلها إنتاج حقيقي مستدام داخل البلد.

أما اجتماعيًا، فإن غياب التنظيم القانوني الدقيق لوجود العمالة الأجنبية يفتح الباب أمام إشكالات متعددة، من بينها تفكك النسيج الاجتماعي في بعض المناطق، وظهور أنماط سلوكية وقيم دخيلة لا تنسجم دائمًا مع الخصوصية الثقافية للمجتمع العراقي… ؛  ولا يمكن إنكار أن أغلب حالات الجريمة، أو العمل غير المشروع، أو استغلال النساء، أو شبكات المخدرات والاتجار بالبشر، ارتبطت – في بعض الوقائع – بأفراد وافدين دخلوا البلاد دون تدقيق أمني كافٍ، أو كانوا فارين من العدالة في بلدانهم الأصلية… ؛  وهذه الملاحظات لا تُحمَّل على الجميع، لكنها تفرض ضرورة المعالجة الجدية لا سياسة التجاهل.

أمنيًا وسياديًا، تبرز المخاوف بصورة أوضح في أوقات الأزمات. ففي حال تعرّض البلاد لحرب أو طارئ أمني كبير، فإن الأجنبي – بطبيعة الحال – سيغادر إلى بلده، بينما يبقى ابن البلد وحده في ساحة الدفاع والصمود والتضحية … ؛  كما أن وجود أعداد كبيرة غير مضبوطة قد يسهّل عمليات التجسس أو الاختراق الأمني، خاصة في ظل الصراعات الإقليمية والدولية التي تُدار أحيانًا عبر أدوات بشرية ناعمة.

وتتفاقم الإشكالية أكثر عند الحديث عن ملف الجنسية العراقية، الذي أصبح – في نظر كثيرين – سهل المنال خلال فترات سابقة، دون ضوابط دقيقة أو معايير صارمة، ما أضعف قيمة المواطنة وأثار شعورًا بالغبن لدى شريحة واسعة من العراقيين الذين يرون أن دولتهم لم تحمِ حقوقهم كما ينبغي، ولم تميّز بين من يستحق الاندماج القانوني ومن استغل الفوضى والضعف.

ولعل المقارنة مع سياسات دول أخرى تكشف حجم الخلل في التجربة العراقية… ؛  فإيران، على سبيل المثال، رغم قوتها، اتخذت إجراءات صارمة بحق اللاجئين و العمالة الأفغانية ، شملت الترحيل ، وتقييد الإقامة، وربط العمل بتصاريح محددة… ؛  والكويت وضعت قيودًا شديدة على ملف التجنيس، بل وأعادت مراجعة جنسيات مُنحت سابقًا، وسحبتها ممن ثبت عدم استحقاقهم… ؛  وفي الولايات المتحدة، لا يتردد الساسة – ومنهم دونالد ترامب – في استخدام خطاب الترحيل وتشديد قوانين الهجرة كجزء من حماية سوق العمل والأمن القومي، بغض النظر عن الجدل الانساني و الحقوقي المصاحب.

إن المطالبة بتنظيم ملف العمالة الأجنبية والوافدين في العراق لا تنطلق من عنصرية أو عداء للآخر، بل من حق مشروع في حماية السيادة، وصون الاقتصاد الوطني، والحفاظ على السلم الاجتماعي… ؛  فالدولة القوية هي التي تعرف من يدخل أراضيها، ولماذا، وإلى متى، وتحت أي التزامات قانونية… ؛  أما ترك الأبواب مشرعة بلا ضوابط، فهو وصفة مؤكدة لمزيد من الأزمات، وتآكل الثقة بين المواطن والدولة، واستمرار الشعور بأن العراق تحوّل – ظلمًا – إلى ساحة مفتوحة لفوضى بشرية لا رابح فيها.

إن معالجة هذا الملف تتطلب إرادة سياسية حقيقية، وتشريعات واضحة، وإحصاءات دقيقة، وتوازنًا عاقلًا بين الاعتبارات الإنسانية والمصلحة الوطنية العليا، لأن بقاء الحال على ما هو عليه يعني أن تداعيات اليوم ستتحول إلى كوارث الغد.