ضياء أبو معارج الدراجي
نحن لا نرفع المقامات ولا نساوي بين الرموز، ولكننا نقرأ الأحداث كما أراد الله لنا أن نقرأ قصص الأنبياء في القرآن؛ لا للتقديس وحده، بل للفهم والعِبرة والدروس الممتدة من موسى ويوسف عليهما السلام، إلى زمن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، مرورًا بكربلاء وما بعدها… فالتاريخ سلسلة، والدم الطاهر الذي يُراق على طريق الحق لا ينتهي مفعوله عند لحظة استشهاد، بل يبدأ منها.
جريمة المطار ليست حادثة عابرة… ليست ضربة جوية… ليست عملاً عسكريًا معزولًا. هي عنوان مرحلة، ومنعطف تاريخي، ولحظة كشفت وجه العالم بلا أي قناع. قادة النصر لم يُغتالوا لأنهم أخطأوا، بل لأنهم أصابوا قلب الأعداء، لأنهم حملوا راية صعبة لا يجرؤ عليها إلا من تذوّق حلاوة الفناء في سبيل الله. هؤلاء الرجال كانوا يعلمون وجهتهم: طريق الشهادة. كانوا يرون الموت جسرًا لا هاوية، يقينًا لا خوفًا.
تمامًا كما وقفت العقيلة زينب عليها السلام أمام طغيان الطغاة وقالت: «ما رأيتُ إلا جميلًا»، نقول نحن اليوم عن شهداء المطار:
ما رأينا إلا جميلًا… لأنهم ارتقوا كما أرادوا… ولأنهم رحلوا مرفوعي الرأس… ولأن موتهم كان بداية حياة جديدة لقضية لا تموت.
أمّا من شَمِت، من هلّل، من رقص على دماء الشهداء، من نقل ما فعله يزيد وبنو أمية إلى الحاضر بثياب عصرية ومسميات حديثة، فهؤلاء وُضعوا على الصفحة المقابلة من التاريخ: صفحة الخيانة. من وقف ضد شهداء النصر فهو في صف الطغيان ولو رفع أعلام الوطنية، وفي صف يزيد ولو تسمّى بالحرية، وفي صف الشيطان ولو تظاهر بالديمقراطية. لأن الحق لا يُقاس بالشعارات، بل بالدماء التي تدافع عنه.
شهداء المطار لم يكونوا حالمين ولا مغامرين، بل رجال دولة ومشروع أمة، يعرفون أين يقفون وماذا سيتركون بعد رحيلهم. والملفت أن أعداء محمد وآل محمد عبر الدهور هم هم؛ يخرجون بأشكال جديدة، يتغير لونهم واسمهم وعنوانهم، لكن قلوبهم قلوب بني أمية لا تخطئها البصيرة.
أهل البيت عليهم السلام بعد كربلاء لم يدفعوا الناس إلى مواجهة متهورة، لأنهم كانوا يعرفون أن الصراع يحتاج وقتًا وعمقًا واستمرارية، ويعرفون أن الدم قد يهزم السيف إذا صبر وتوكل ودام. هذا الخط، خط محمد وآل محمد، ما زال يمشي إلى يومنا هذا، ينتظر لحظة ظهور الحجة عليه السلام ليملأَ الأرض قسطًا وعدلًا بعد أن امتلأت جورًا وظلمًا.
اليوم نقولها بوضوح: لسنا ضعفاء. لسنا أقلية. لسنا مشتتين. نحن أصحاب حق، وأصحاب مشروع، وأصحاب ثأر مشروع لا يتحقق بالعجلة والتسرع، بل بالثبات والصبر ووحدة الهدف. وكما كان الأعداء قديمًا شرسين، فهم اليوم أشد شراسة، يحاصروننا من الداخل والخارج سياسيًا وإعلاميًا وعسكريًا، ولكننا لسنا وحدنا. هناك من يحمل سلاح المواجهة نيابة عن أمة كاملة، هناك جمهورية الولي الفقيه التي تواجه العالم بلا تردد، وتدفع ثمنًا باهظًا لأنها تقف حيث يجب أن نقف جميعًا.
نعم، هناك من يسخر من شهدائنا، من يقلل من شأنهم، من يتطاول على قادتنا، من يعظم عدوهم ويحتقر نهجهم. هؤلاء لا يعرفون قيمة الدم، ولا يفهمون معنى التاريخ، ولا يدركون أن الأمم تُبنى على التضحيات لا على الشتائم.
لكن الحقيقة لا تتغير بالشتم، ولا بالسخرية، ولا بالتنمر الإعلامي، ولا بالصوت العالي:
شهداء المطار أقمارٌ مضيئة… ومن شمت بهم ظلَّ في العتمة مهما صرخ.
فسلامٌ على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين.
وسلامٌ على شهداء المطار…
وسلامٌ على أرواحهم الطاهرة…
ولعنةُ الله على أعدائهم إلى يوم الدين.
ضياء أبو معارج الدراجي