سليم جواد الفهد.
تمثل إشكالية المثقف مع الطائفية إحدى أهم الإشكاليات العميقة في الواقع العربي المعاصر و هي تجسد صراعاً بين دور المثقف كحامل لمشروع تنويري عابر للهويات الفرعية الضيقة و بين بنى اجتماعية و سياسية متجذرة و راسخة تعيد إنتاج الانقسام الطائفي وتغذيه.
تفكيك مظاهر الإشكالية:
……………………….
1.الإغراق في الهوية الفرعية:
اختزال المثقف في انتمائه الطائفي أو المذهبي سواء من قبل السلطة أو المجتمع أو حتى من ذاته عبر تحول خطابه من خطاب نقدي تنوري شامل إلى خطاب دفاعي عن طائفته أو هجومي على باقي الطوائف يُعلي من شأن طائفته ويُحقر شأن باقي الطوائف يجعله مؤدلجا منحازا وبذلك يفقد جوهر ثقافته فلا يبقى عنده إلا القشور.
2.الاستقطاب والاستخدام السياسي:
توظيف الطائفية من قبل الأنظمة أو القوى السياسية لشيطنة الخصوم أو كسب الولاءات مما يضع المثقف في موقف إما الانحياز أو العزلة الخطيرة.
في حالة الانحياز تبتلعه الطائفة فيكون قلمه في خدمة كهنة المعبد الذين يوظفوه لتزييف الوعي الجمعي.
وفي حالة العزلة والسكوت يساهم في تحول الفضاء الثقافي إلى ساحة لصراع الهويات الطائفية بدلاً من حوار الأفكار التنويرية النقدية.
3.تضييق مساحة النقد والحرية:
تحريم و تجريم النقد الموضوعي للتراث أو الممارسات الطائفية و أعتبارها خطوط حمراء بحجة “الحساسية” أو “عدم المساس بالثوابت” مما يعطل دور المثقف في المراجعة النقدية.
وهذا ما يفسر تعرض المثقفين المستقلين لضغوط و تهميش من جميع الأطراف الطائفية.
4.أزمة الخطاب و التمثيل:
صعوبة بناء خطاب جامع يتجاوز الانتماءات الفرعية في ظل واقع منقسم طائفيا يخيم عليه الجهل والتخلف لا يرى للمثقف دور غير دور تمثيل طائفته كاملا مما يجرده من فردانيته و حريتة الفكرية وموضوعيته.
5.المأزق الوجودي و الأخلاقي: شعور المثقف بالعجز أمام صعود الخطاب الطائفي الذي يفكك النسيج المجتمعي يجعله غير فاعل في حسم الصراع الداخلي بين الانتماء العاطفي و الهوية المركبة من جهة و ضرورة التمسك بالعقلانية و النقد من جهة أخرى.
كيف يواجه المثقف هذا الصراع من وجهة نظر ثقافية تنويرية؟
……………………….
أولا: إعادة الاعتبار للعقل و تبني المنهج العقلاني العلمي و نبذ منهج الخرافة.
ثانيا: تشجيع نقد التراث الديني و الاجتماعي نقداً موضوعياً بعيداً عن التقديس أو التهجين.
ثالثا: بناء خطاب إنساني جامع يكون فيه التركيز على القيم المشتركة و حقوق المواطنة المتساوية بديلاً عن الخطاب الهوياتي المنغلق.
رابعا: استعادة الفضاء العام: عبر خلق منابر للحوار بين المثقفين من مختلف الإتجاهات لبناء تصورات مشتركة لمستقبل الوطن.
خامسا: الانحياز للمصلحة العامة عبر تحدي المثقف للخطابات الطائفية داخل طائفته و خارجها و الدفاع عن كرامة الإنسان بغض النظر عن انتمائه.
سادسا: التعليم و التثقيف: عبر نقد و مكافحة التلقين الطائفي في المناهج التعليمية و الإعلام و تعزيز قيم التسامح و المواطنة.
زبدة القول:
إشكالية المثقف مع الطائفية هي إشكالية مشروع التنوير ذاته و التحدي الأكبر هو عدم الاستسلام لإغراءات الانكفاء أو الانحياز أو الوقوع في اللاجدوى.
المطلوب هو المثابرة على بناء وتبني خطاب يعترف بالتنوع دون أن يجعل منه سجنا للهويات و يؤسس لمواطنة تحرر الإنسان من وصاية الانتماءات البدائية الضيقة. و نجاح المثقف في هذه المهمة ليس ضمانا أكيدا في المستقبل القريب لكنه شرط ضروري لأي أفق نهضوي حقيقي.