صناعة الأصدقاء

طالب السنجري

ورثنا في العموم مخلّفات العداء ، والمقاطعة النفسية ، كنتيجة للجهل ، والأنانيّة ، والمصالح الضيقة ، ولإختلاف التوجهّات الأيديولوجية ، والدينية ، والمذهبية ، والعنصرية .

ولقد شهدنا تأثيراً للإسلام في سنينه الاُولى على جماعة صغيرة أن جعل منها خير اُمّة ، ولمّا كبرت هذه الاُمّة إنكفأت ، وإنقلبت على الأعقاب ، ولم يعد الإسلام بعدها ليحكم الأخلاق ، والحياة .

وأعني بالإسلام هنا هو قواعده العامّة التّي يضمّها القرآن الكريم بين دفّتيه .

أمّا غير ذلك فهو إسلام الحاكم وإن كان فاسداً ، والفقيه وإن كان أخرقاً ، والسلاح وإن كان منفلتاً .

ولم تشهد الاُمّة منذ رحيل نبيّها الى يومها هذا إسلاماً وحيانياً قادها الى مكارم الأخلاق ، ومحاسن الأفعال بالطريقة التّي تلقي بظلال ذلك على المجتمعات بكلّ إنتماءاتها ، وتعدّد آلهتها .

فالإسلام الذي يستمدُّ طاقته ، وحيويته ، وحركيته من الله وحده عبر قواعد أثبتها في قرآنه هو من يصنع العلاقات مع الآخر المختلف ، ويشيع الأمن مع الآخر ، ويتقاسم رغيف الخبز مع الآخر ، ويحترم رأي الآخر .

والإسلام هذا هو مصنع الأصدقاء ، وهو الذي يُسمح له أن يدخل رحابة الحياة ، وعالم السياسة ، والعلاقات بين الأفراد ، والمجتمعات .

ولايصحّ أن ننتمي لغيره ، ولقد كان غيره وبالاً عليها ، وغدّة فيها طيلة القرون الخالية .

ولو قدّر لأحدنا أن لاينتمي لديانة ، فليس أمامه غير البعد الأخلاقي ، والنزعة الإنسانية ليعمل منهما جسور التواصل مع الآخر ، فهما الحلّ الأمثل ، والعلاج الأنجع ، بل هما الأصل في ذلك قبل الدّين .

فليس الدّنيا ، والعلاقات البشرية برمّتها قائمة على الإصطفافات الدينية ، والمذهبية ، والعرقية .

طالب السنجري