جديد

ظاهرة قلة القراءة و شحة القراء

ظاهرة قلة القراءة و شحة القراء
كامل سلمان
جميع الظواهر الحياتية الجميلة الحسنة النافعة تقل يوماً بعد يوم فيما تطفو إلى السطح الظواهر الحياتية السيئة يوماً بعد يوم ( قلة القراءة ، ضعف الروابط الاجتماعية والتواصل ، قلة الثقة بالأخرين ، قلة الصدق ، قلة النشاطات الرياضية والاجتماعية وكثير من الأشياء الحسنة تقل يومياً ) بينما الظواهر السيئة تنمو بسرعة ( زيادة التخلف ، زيادة الكراهية ، زيادة الانحراف ، زيادة الأمية وزيادة العصبية الدينية وغيرها ) هذه الظواهر والحالات تظهر إنعكاساتها على المجتمع بشكل سلبي فنرى مجتمعاً غير متماسك وغير متجانس يعيش حياة هامشية خالية من القيم وخالية من الثقافة والوعي مما تبعد الناس عن حب المعرفة وحب الاطلاع وإحياء الأفكار الإيجابية فتنحسر روافد الوعي في الإنسان وتجف منابع الشحن العقلي فتصبح القراءة ورواد القراءة غرباء في المجتمع . ومن أسباب قلة القراءة ظهور أولويات أخرى أكثر أهمية عند الناس منها الصراع مع الحياة من أجل الإستمرارية والبقاء ومنها إنتشار التلقين الصوري والصوتي بشكل واسع على اليوتيوبات ومواقع التواصل ومنها زحام المنشورات السيئة التي تغطي على المنشورات الجيدة التي هي أساساً قليلة جداً فمثلاً بين الف مقال منشور نجد مقالاً واحداً أو أثنين فيه قيمة فكرية أو عقلية بينما البقية الباقية مجرد حشو أو إفرازات لهلوسة الإصطفافات العقائدية والدينية والطائفية فهنا يتوجب على القارئ أن يقرأ الألف مقال بتمعن للوصول إلى المقال الذي ينفعه وهذا استهلاك للوقت وللفكر لذلك نجد معظم القراء يكتفون بقراءة العناوين من بعيد وللأسف فأن المقالات العقيمة دائماً تحمل عناوين براقة وجذابة لكن المحتوى فارغ وهذه صدمة أخرى تزيد من معاناة القارئ . الجميع وأقصد المتعلمين العقلاء وغير المتعلمين الجهلاء أصبحوا يعيشون ضمن قوالب فكرية محددة لا يحيدون عنها وأصبحوا في خطوط متوازية لا تلتقي فكل له عالمه وأحبابه فلم يعد الناس يتقبلون غير الذي يشبههم في التفكير وترتاح قلوبهم للكلام الذي يداعب أفكارهم وكل فئة تظن بنفسها خيراً ، لكن هل تستوي المعلومة النافعة مع المعلومة الضارة وهل تستوي الأفكار الراقية مع الأفكار الهابطة ، الأفكار الراقية تنتج مجتمعاً راقياً والأفكار الهابطة تنتج مجتمعاً هابطاً فمن خلال نظرة سريعة إلى حال المجتمع فكرياً وعقلياً وإنسانياً نستطيع فهم نوعية الأفكار التي تغذي المجتمع . فكلما كانت الأفكار والثقافة السيئة غالبة على عقول الناس كلما كان الناس في وضع اجتماعي وثقافي وأخلاقي وصحي وتعليمي وخدمي سيء . غالبية الشباب اليوم يعرفون الرموز السياسية والرموز العشائرية والرموز الدينية القديمة والحديثة ويعرفون رموز الفن والرياضة ولا يعرفون شيئاً عن رموز الثقافة ورموز الفلسفة ورموز العلم لأنهم بعيدون كل البعد عن الثقافة والعلم والفلسفة وهذا يفسر لنا توجه الناس للمشاهدات المصورة والسماع لمن يغذي توجهاتهم ، الحقيقة هناك غرام وجذب كبير بين الملقي والمتلقي عندما تتشابه الغايات . أنا استغرب حين التقي شاباً يحدثني عن معركة فيها صبغة طائفية حدثت قبل الف واربعمائة عام ويسرد لي تفاصيلها وكأنه قد عاش أحداثها بدقة متناهية فيما يجهل أموراً ثقافية وعلميّة تمس حياته ومستقبله ومستقبل مجتمعه فقد أكتفى بما تعلم من الأشياء غير النافعة وملأ دماغه بها فهو في قرارة نفسه عرف كل شيء عن الدنيا فهو اليوم يحب رموزه حد العبادة ويكره أعداء رموزه حد الانتقام فكل ما يحتاجه شرارة بسيطة ليصبح أداة للفتنة وتقديم نفسه قرباناً لمن ملأ دماغه بالكراهية والخزعبلات ولكي تترسخ في ذهنه مفاهيم الكراهية والانتقام إينما يدير وجهه يجد عشرات الصحف والمحطات الإذاعية والتلفزيونية والمواقع تشحن فيه الأباطيل فيتساءل مع نفسه متعجباً هل كل هؤلاء غير مدركون خاصة وأن فيهم الدكتور والمفكر والمعمم والشاعر والخبير الدولي والباحث التأريخي . للتذكير لمن غفل عن هذه الحقيقة لم تكن زحمة المقالات والمنشورات المسمومة في الصحف وفي مواقع التواصل الاجتماعي قد جاءت صدفة بل هناك ترتيب مقصود من جهات ذات خبرة كبيرة لغرق وتغطية الصحف والمواقع بالكتب والمقالات التي تسمم العقول وتعزلها لأن المقالات والمنشورات الحياتية النافعة هي الضوء الذي يبدد ظلام الجهل وهي العدو الأول للكراهية وهي الدواء لأمراض النفس التي زرعها دعاة الكراهية ، فأينما نزل مقال تنويري تتبعه عشرات المقالات المخربة للعقول لتكون كالحجاب تغطي المقال التنويري . هي أزمة حقيقية تعيشها مجتمعاتنا خاصة وأن المستمتعين بهذه الولاءات لا يبصرون الواقع السيء الذي يعيشونه بل يبصرون الكلمات التي تقال لهم وهذا هو الجهل بعينه كما تقول الحكمة الشهيرة ( عندما يشير الحكيم بأصبعه إلى القمر فأن السذج من الناس ينظرون إلى الأصبع )، يبقون يدورون في دوائر مغلقة حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون مخلفين وراءهم اللعنات . لا يعرف الناس قيمة الثقافة كالأعمى الذي لا يعرف قيمة النور لكن الأعمى معذور أما الجاهل لا عذر له .